13/09/2007
 

 
كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (3)
 
بقلم: الرّاصد السياسي

 
كان تقرير (لو) الثاني عام 1964 عندما انضمّ القذّافي إلى سلاح الإشارة في بنغازي فيقول عنه :"أمر بإحضار أقوى أجهزة الراديو التي تتجاوز حاجاتهم،رغم أن لديهم جهاز إرسال يغطّي كافة أنحاء ليبيا. ولقد أخبرني مستشاري لشئون الإشارة بالأمر،غير أنني لم أستطع العثور على الجهاز الذي وضع في مأمن بالمجمّع. وبذلك أصبح القذّافي فى مركز قويّ أمام قائد ضعيف". وقدّم (لو) تقريره إلى مسئول الإستخبارات بالسفارة. أي أنه قبل خمس سنوات من إنقلاب القذّافي كان معروفا في ملفّات الحكومة البريطانيّة كمشبتبه فيه رئيسي. ولا شك أن غضب لو في عدم أخذ تقاريره مأخذ الجدّ من قبل وزارة الخارجيّة وجهاز الإستخبارات البريطانيين له ما يبرّره،فالقذّافي كان يسعى عام 1966 إلى الحصول على بعثة تدريب عسكري بالخارج. والدافع لديه كان لا يمتّ إلى الثورة بصلة بقدر ما كان دافع الفضول لديه،فهو لم يغادر ليبيا من قبل. وتقدّم أوّلا بطلب لإيفاده إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة. وجرت له مع خمسة من زملائه مقابلة إمتحان مع نائب رئيس البعثة الأمريكيّة في السفارة الأمريكيّة بطرابلس هيرمان أليتز،الذي ذُهل ممّا يتميّز به القذّافي من سذاجة صبيانيّة،ولكنه لاحظ مراعاة الآخرين له. لقد كانت مقابلة ذات مغزى،وإن لم تكن فرصة للتأمّل واستعادة الذكرى،فبعد ثلاث عشرة سنة سيقوم الطالب العسكري الساذج بتدبير خطّة لاغتيال إليتز بالقاهرة }الإشارة هنا إلى أن هيرمان إليتز كان يشغل عام 1982 منصب السفير الأمريكي بالعاصمة المصريّة{. ولم يُمنح القذّافي الإذن بالذهاب إلى الولايات المتحدة،ولكن ليس لعائق وضعه أمامه إليتز لأنه علّق بقوله :"ربّما عارضت السلطات في إيفاده لأنها لم تكن راضية عنه آنذاك،ولم أسمع عن الموضوع بعد ذلك.". وفي عام 1966 وعلى الرغم من تقارير (لو) التي أشارت إلى أن القذّافي كان مثيرا للمشاكل،وقاتلا ومرتكبا محتملا لجريمة اغتيال ومتمرّدا،إلاّ أنه مُنح الإذن لحضور دورة تدريبيّة لأربعة أشهر في بريطانيا. وعلّق (لو) على ذلك :"لا أستطيع فهم ذلك . لابدّ أن الرقابة غفلت عن إسمه".
 
ذهب القذّافي أوّلا إلى (بيكونسفيلد) حيث أمضى أربعة أسابيع لتعلّم الإنجليزيّة،قبل أن يتوجّه إلى التدرّب في دورة ثلاثة أشهر كقائد فوج في قيادة أركان سلاح المصفّحات الملكي في (بوفينجتون) بمنطقة (دورسيت)،حتى يتعلّم التسيير والصيانة،والإشارات في مجال القذف على المجنزرات : ربّما من على مصفّحات صلاح الدين التي استعملها الجيش الليبي في الحراسة بالصحراء وكذلك مدرّعات سينتوريون . لقد تمّ تدريب القذّافي على استعمال جهاز الإشارات في هذه المركبات وعلى الرمي من مدفعيّة دبّابات عيار 76 و 105 ملم. ومدرّس اللغة الإنجليزيّة في بيكونفيلد،والذي لم يشأ الإفصاح عن إسمه،يتذكّرالقذّافي بشكل غائم كشخص غير ملفت للنظر وبشوش نوعا ما،وقام بإرسال بطاقة معايدة إليه بمناسبة عيد ميلاد المسيح في السنة التالية،مثلما فعل الكثير من الطلاّب. (يستحضر الكاتب هنا وصف الصحفي المالطي فريدريك موسكات للقذّافي في كتابه،من أنه كان يكره موقع تدريبه ولندن والإنجليز عامّة،لما لاحظه من إهانات وتمييز عرقي ضدّ السّود والملوّنين وما يكلّف به هؤلاء من أعمال التنظيف وجمع القمامة ..إلخ) ليعلّق الكاتب قائلا :"من الصعب الإقتناع بأن القذّافي كان جادّا في هذه المشاعر،حيث في ليبيا الثوريّة لا يقوم بهذه الأعمال الوضيعة سوى المهاجرين من التونسيين والمغاربة والتشاديين". ومضت أسابيع دورة القذّافي كأنها الأيّام،عاد بعدها إلى بلاده ليبيا،وبدا فيها أن حكومة الملك إدريس آيلة إلى السقوط،حتى بدون دفعة من القذّافي وحركته الإنقلابيّة.
 
وكانت الولايات المتحدة الأمريكيّة قلقة إزاء ضعف الملك،وما يمثّله هذا الضعف من خطر على استراتيجيتها ومصالحها الإقتصاديّة المتنامية في ليبيا. فالطفرة البتروليّة التي بانت ملامحها،وكانت ذات الطابع الأكثر إثارة في التاريخ،حفلت بالجشع والطمع والإبتزاز،وأحيت لدى الأميركيين ذكرى حمّى البحث عن الذهب. لقد حدث الإكتشاف الكبير الأوّل عام 1959 في باطن صحراء خليج سرت حيث كان والد وجدود معمّر القذّافي يعتاشون ويرعون قطعانهم من الإبل،وتحت أقدامهم يرقد محيط من أنقى وأسهل نفط إستخراجا في العالم. فلم يقدّر لبلاد في العالم أن تطوّر وتستغلّ نفطها حديث الإكتشاف أسرع من ليبيا في الستّينات. ومع نهاية العقد فاقت ليبيا الكويت لتكون المنتج الرابع في العالم،وانجذبت شركات البترول الدوليّة،ليس إلى الخام النقي فقط،ولكن أيضا إلى موقعه في بلاد موالية للغرب،وبها قواعد عسكريّة أمريكيّة وبريطانيّة تحمي حقوله،فأخذت تحوم كالصقور حول الحكومة الليبيّة متدافعة لنيل الإمتيازات البتروليّة.
 
ولم تقم الحكومة الليبيّة بالإستفادة جيّدا من مواردها الجديدة،ففي مذكّرة سريّة موجّهة من الحكومة الأميريكيّة إلى الرئيس جون كينيدي بتاريخ 6 أكتوبر 1962 وصفت ما أسمته: "الفوضى الماليّة الكاملة في ليبيا،فعلى الرغم من الدخل الضخم،إلاّ أن الليبيين ذهبوا الى أبعد مدى في التبذير والبذخ إلى درجة حدوث نقص في السيولة. وهم بالطبع يريدون منّا أن نسدّ النقص. وكلمات قليلة منكم توجّهونها إلى وليّ العهد حول الحرص المالي } قصد وليّ العهد الحسن الرضا الذي كان يزور واشنطن آنئذ في أكتوبرعام 1962 { ربّما تساعد في إعفائنا من دفع ملايين الدولارات".
 
ولكن الكلمات القليلة إذا ما نُطقت ليس هناك من يسمعها،فبدلا من أن تهدّيء أموال النفط من مشاعرعدم الرضا في ليبيا،نراها تزيد من تفاقم الأمور: لقد استشرى الفساد بين أولئك المقرّبين من القصر الملكي. وكان شعور الشبّان من الثوّار أن الأموال تنصبّ في جيوب النخبة المميّزة،وأن شركات البترول الدوليّة تستغلّ ضعف وانقياد حكومة الملك إدريس. وكانت اتهاماتهم لها ما يبرّرها جزئيّا،ولو أن حكومة إدريس لم تكن أكثر فسادا من غيرها من حكومات الدول المصدّرة للنفط الأخرى،بل وحتى أقلّ من بعضها. لقد بذلت جهودا من أجل إستخدام العوائد في تشييد المدارس والجامعات والمستشفيات،وانسابت الأموال فعلا إلى الليبيين العاديين،غير أن الوتيرة لم تكن سريعة بما فيه الكفاية }ثمّ اقتبس الكاتب فقرات من كتاب – صناعة النفط الليبيّة – لمؤلّفه فرانك وادّامس والذي صوّر فيها استغلال شركات البترول لجهل المسئولين الليبيين بقضايا الأسعار والضرائب بما يعود عليها بالنفع{ ليتحدّث عن القلق الرسمي الأميريكي من الوضع،حيث أن هناك الملايين من الدولارات وظّفتها في الإستثمار. وفي تقرير سرّي بعنوان – السياسة الأميريكيّة تجاه ليبيا- بتاريخ 15 مارس 1960 رسم مجلس الأمن القومي صورة قاتمة نوعا ما ولكنّها دقيقة جاء فيها : "هناك ولاء ضعيف تجاه الملك من قبل العناصر الشابّة في المدن والذين لا يملكون الآن قوّة سياسيّة ولكنهم،سيحصلون عليها في المستقبل. وعلى الرغم من عدم وجود أحزاب سياسيّة في ليبيا،إلاّ أن هناك زمرا سياسيّة طليقة ومجموعات ذات مصالح ودعاة للوحدة العربيّة. وكلّها عوامل مؤثّرة لا سيّما بين العناصر الحضريّة الشابّة". وأوصى التقرير الحكومة الليبيّة بأن تقوم "بضرورة كبح جماح غواية المباهاة والبذخ التي تولّدها عوائد البترول الضخمة". وظهر من فحوى هذا التقرير أن الولايات المتحدة كانت تنتظر من الحكومة البريطانيّة أن تتدخّل للحيلولة دون الإطاحة بنظام إدريس،إذ مضى التقرير إلى القول :"بما أن البريطانيين سوف يتردّدون في التدخّل بالقوّة في ليبيا من أجل صيانة نظام مؤيّد لمصالحهم،إلاّ أنه من المرجّح قيامهم بذلك إذا ما بان أنه الطريق الوحيد للمحافظة على مركزهم". ووضع مجلس الأمن القومي الأمريكي تدابير سياسيّة اعتُمدت من الرئيس. وتؤكّد التدابير رقم 34 و35 و36 منها أسوأ المخاوف لدى القذّافي والمتآمرين معه من "المخطّطات الإمبيرياليّة بشأن ليبيا".
 
الرّاصد السياسي
 

راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (1)

راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (2)

 
(1) إطّلعنا على محضر سرّي هام للإجتماع الذي انعقد بمقرّ السفارة الأمريكيّة بطرابلس يوم 16 يونيو 1969 -أي شهرين ونصف الشهر قبل حدوث الإنقلاب-! وجمع السفير الأمريكي (نيوسوم) ومعه (بيتير ويكفيلد) القنصل العام و(ماريك جاولينج )السكرتير الأول مع السفير البريطاني (ساريل) ومعه (رونالد ماكدونالد). وفيه جرت مداولات عن المخاوف التي انتابتهم بسبب توقّعات مخيفة كانت تسيطر على الوضع في ليبيا.. وفي الحلقة القادمة سوف نترجم ما ورد في المحضر المذكور.

مقالات سابقة للراصد السياسي:
 
  مأساة ومهزلة الجامعة العربيّة وملهمها الجديد

  سيف القذّافي يتبنّى مطلب المعارضة بالدستور!

  إبن القذّافي يغوص في بحر من الأراجيف!

  زوجة ساركوزي في طرابلس لمرافقة الممرّضات!

  إسدال الستار على مسرحيّة لم تتمّ!
  تأجيل الحكم تأكيد للمؤامرة !
 "تبو" ليبيا يطالبون بتكوين دولة !
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 
Idir Mohanmmed: it's important to note that it was Mr Lough-who was responsible for training the Libyan army who noticed the activities of the young Goddafi and written to the government of Great Britain about the conspiracy to his government. however the British paid no attention even though their government is responsible at the time for the internal security of the kingdom of Libya according to the agreement signed in 1953.it is time to invoke this arrangement and ask why Great Britain never honoured its international obligation. and left the Libyans to suffer all these years. and it's time for the opposition to wake up to the true nature of the so called revolution.


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com