17/09/2007
 

 
كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (4)
 
بقلم: الرّاصد السياسي

 
كيف عَذّب وعُذّب القذّافي:
 
في آخر الجزء الثاني من هذه السلسلة، وكامل الجزء الثالث،ذكرنا ما رواه رئيس بعثة التدريب البريطانيّة للمنخرطين في الجيش الليبي المدعو العقيد "تيد لو"Colonel Ted Lough، والذي تولّى هذه المهمّة من عام 1960 1966،من معلومات خاصّة عن معمّر القذّافي،والواردة في كتاب الصحفيين البريطانيين الذين عملا في صحيفة "سنداي تايمس" الغنيّة عن التعريف وهما: "ديفيد بلوندي وأندرو ليسيت" بعنوان "القذّافي والثورة الليبيّة" والصادر بتاريخ 1988. وقد احتوى الكتاب على تفاصيل دقيقة عن شخصيّة القذّافي وتصرّفاته، ناهيك عن تحليلات موثّقة للأسباب والعوامل والقوى الفاعلة في ترتيب الإنقلاب، كما ألمحنا في الحلقات السابقة. ونواصل الآن شهادات وانطباعات المدرّب البريطاني الذين اشتهر بين جنود وضبّاط صفّ الجيش الليبي باسم "أبو شنب" لضخامة شاربه المنسدل على الجانبين. وبعد أن يصف مشاركة القذّافي في تعذيب أحد المتدرّبين، الذي اتّهم بالشذوذ، ثمّ قتله برصاص الضّابط الليبي المشرف، وتركه ينزف حتى الموت في الشمس المحرقة،ينتقد هذه القسوة التي كانت أسلوبا متّبعا لدى الجيش الليبي، ولم يسلم منها معمّر القذّافي نفسه، إذ شاهده تنفّذ فيه عقوبة مهينة "لوقاحته وغطرسته". وكان ذلكك بإشراف نائب رئيس الكليّة العسكريّة آنذاك، إذ قيّد معمّر القذّافي وأُمر بأن يزحف على ركبتيه وكفّيه على حصى صخري في عزّ الظهيرة الحارقة، حاملا على ظهره كيسا ثقيلا من الرّمل يمنعه من النهوض، إلى أن انسلخ جلد ركبتيه! كما يتذكّر العقيد "لو" أن القذّافي كان، من بين المئات الذين درّبهم، "أكثرهم تخلّفا، فقد أعاد دورة التدريب في كليّة بنغازي العسكريّة مرّتين بالقياس إلى الآخرين، وأن 98 في المائة نجحوا في الإمتحان وإثنين فقط سقطا، وكان القذّافي أحدهما ... ومشكلته أنه لم يستطع تعلّم الإنجليزيّة إضافة إلى وقاحته"! ويضيف أنه كتب تقريرا بملاحظاته لرئيس الأركان الليبي عن تصرّفات القذّافي المقيتة، ولكن اللامبالاة كانت سائدة في الجيش الليبي، ولذلك فقد كان من السهل أن ينظّم أمثال القذّافي حلقاته التآمريّة "وحتى أعضاء البعثة البريطانيّة التي كانت على هامش مؤسّسة الجيش والحكومة كانت تعلم بأن شيئا ما سيحدث".
 
ولقد تحدّثنا في الحلقة السّابقة عن التدابير الإحتياطيّة الأميريكيّة التي اعتمدها الرئيس الأميريكي لمواجهة التطوّرات المتوقّعة. ونستعرض الآن تفصيلاتها كما يلي:-
 
التدبير رقم (34) يتطلّب التعرّف في منتهى السريّة والمحافظة على الإتصال مع الجماعات المعيّنة في ليبيا والتي يمكنها أن تلعب دورا في حالة وفاة الملك،وذلك بواسطة قنوات ملائمة. ويقتضي التدبير رقم 35)) وضع خطط طارئة تتعلّق بالإجراءات التي ستتّخذ في حالة حدوث هيجان في ليبيا، على أن تُنسّق هذه الخطط مع بريطانيا. أمّا التدبير رقم (36) فيينبغي أن يجهّز ليستجيب إلى طلب ليبي للمساعدة العسكريّة بموجب الخطّة الأمريكيّة للشرق الأوسط، بحيث ينسّق الإعداد لهذه المساعدة مع الخطط البريطانيّة للقيام بالتزاماتها وفقا لمعاهدة التحالف الأنجلو – ليبيّة.
 
سنوات الغليان:
 
وصوّر المؤلّفان الوضع في ليبيا على أثر الهزيمة العربيّة في حرب يونيو 1967 بألوان مفزعة قاتمة: "قلّة من الناس في ليبيا وخارجها اعتقدوا في إمكانيّة نجاة الملك إدريس،وعلى الرغم من التصريحات الحكوميّة بدعم الحكومات العربيّة في كفاحها ضد الصهيونيّة، إلاّ أنها لا تملك الموارد العسكريّة لكي تشارك في حلبة الصراع. واشتدّ لهيب الحماس القومي لدى الليبيين ممّا جعلهم يفقدون الصبر على تحمّل مناورات حكومة الملك، واجتاحت المظاهرات طرابلس،وقُتل فيها يهود على أيدي الغوغاء، وتعرّضت الممتلكات الأنجلو – أميريكيّة للأضرار، وقطع العمّال إمدادات البترول لمدّة شهر ممّا كلّف فقدان 71,5 مليون دولارا يوميّا من الدّخل" (قاد الإضراب محمود المغربي،الذي سيعيّنه القذّافي أوّل رئيس للوزارة).
 
وبتاريخ 17 يونيو 1967 كان أمام البيت الأبيض تقرير سرّي من مجلس الأمن القومي الأمريكي يقول: "إن الأمر هنا يتعلّق بخوف ستزداد حدّته ويتمثّل في استيلاء عبد الناصر على ليبيا بعد إنسحاب القواعد الأنجاو-أمريكيّة، وقد يحدث ألإستيلاء إمّا من الدّاخل أو من الخارج- والإحتمال الأكبر من الداخل- وهو ما سيمهّد الطريق أمام عبد الناصر للإستحواذ على البترول، ويجلب ضغوطا ثقيلة على تونس. ولذا علينا أن نماطل في موضوع القواعد. ويعتمد جزء كبير من النجاح على مدى قدرة الملك على التحمّل". ومن المؤكّد أن الملك كان مرهقا ومستنزف القوى.. وهنا يذكر بيتر ويكفيلد (وقد أصبح الآن – أي وقت تأليف الكتاب عام 1988 – السير بيتير) وكان القنصل العام البريطاني في بنغازي، أن الغليان الذي أحدثته حرب يونيو 1967 كان هو المسبّب الأوّل للإنقلاب، وحسب روايته فقد أرسل القذّافي ضمن مفرزة من الجنود إلى الحدود مع مصر لمساعدتها في حرب الأيّام الستّة، إلاّ أنهم وصلوها بعد أن انتهت الحرب، ولذا لم تجد الحكومة الليبييّة سببا لكي تتواصل العمليّة، ويضيف قائلا: "إن واحدا أو إثنين من الجنود أصرّ على التوغّل داخل مصر، غير أن القذّافي رجع إلى ثكنته"! ثمّ يصوّر ويكفيلد كيف اضطربت الأمور في بنغازي وخرجت عن سيطرة الحكومة: لم يكن هناك يوم إندلاع الحرب مراسلو صحف ليصفوا الحالة، حيث هاجمت الجماهير السفارة البريطانيّة، فأخذ مسئولو السفارة يحثّون البريطانيين على الجلاء أو الإنبطاح على البطون، وقد حاولت جموع المتظاهرين حرق السفارة بعد أن أحاطت بها، ومن حسن الحظّ أن الموظّفين تسلّلوا منها قبل ذلك. كما  جرى تدمير بعض السيّارت المصفّحة البريطانيّة،ولكن نجا من الموت من أصابتهم الحروق. وقد قام ويكفيلد شخصيّا بنجدة زملائه في القنصليّة الأمريكيّة الذين تعرّضوا لنفس الهجوم، وتمكّن من نقلهم إلى الثكنة العسكريّة البريطانيّة، وكذلك نقل إليها فرقة بريطانيّة من الرّاقصات كانت تحيّ سهرة في النادي الليلي ببنغازي،إلى أن استعادت السلطات السيطرة على الموقف في اليوم التالي.
 
وسنعلم من مؤلّفي الكتاب أن ويكفيلد هذا كان هو أوّل ممثّل دبلوماسي أجنبي قابل صباح يوم 1 سبتمبر حاكم ليبيا الجديد، إذ كان يتجوّل في شوارع بنغازي قبل موعد ضُرب له لمقابلة رئيس الوزارة وقتذاك "ونيس القذّافي" فالتقى جنودا مسلّحين أخذوه إلى مقرّ الإذاعة، وهناك قابل الملازم معمّر القذّافي، وأبرق بعدها مباشرة بتقرير إلى لندن عن فحوى مباحثاته معه!
 
حقيقة التنسيق الأنجلو- أمريكي:
 
وبما أنّنا ما نزال في مرحلة تقصّي الحقائق والأحداث وأسرارها، قبل وعشيّة وقوع الإنقلاب، فالأمر يقتضي أن نزيح الستار عن الإجتماع السرّي الذي أشرنا إليه في الحلقة الثالثة، والذي انعقد بمقرّ السفارة الأميريكيّة يوم 16 يونيو 1969 بحضور نيوسوم السفير الأميريكي وساريل السفير البريطاني وأعوانهما، ومن بينهم بيتتير ويكفيلد القنصل العام البريطاني، الذي كان أوّل من قابل القذّافي صباح يوم الإنقلاب على النحو المذكور. وقد درج السفيران على عقد هذه الإجتماعات التشاوريّة والتنسيقيّة بينهما بشكل دوري تحت إسم (مناقشة الأركان الأربعة) Four square discussion”". وربّما تعني أنها سريّة مغلقة بين الجدران الأربعة. ممّا يدلّ على التخطيط المشترك،وضمان مصالحهما الإستعماريّة الواحدة.
 
وكان موضوع هذه الجلسة: "خلافة العرش الليبيّة". وسنلتزم الأمانة في ترجمة المحضر كما ورد:
 
((1 – إفتتح السفير نيوسوم الإجتماع بأن دعا السفير ساريل لكي يعلّق بوجهة النظر البريطانيّة الراهنة فيما يتعلّق بوراثة العرش في ليبيا.  فأجاب بالقول: إن السفارة تعتقد في أن حظوظ وليّ العهد في الخلافة قد تحسّنت في الشهور الأخيرة، ملاحظا أن رحلة وليّ العهد إلى بلدان المغرب الأخرى، وبالتحديد إلى تونس، كانت ناجحة تماما، إذ أوضحت أن وليّ العهد يستطيع أن يترك إنطباعا إيجابيّا إذا ما أراد ذلك. وأضاف ساريل أن سفارته سجّلت ردّ الفعل بين الليبيين إزاء الإحتفاء الأخير الذي لقيه أعضاء أسرة الشلحي، وعبّر السفير عن بعض القلق لعدم وضوح النصوص الدستوريّة المتعلّقة بوراثة العرش، وأن هناك ما يدلّ على أن عددا قليلا فقط من الليبيين يعرفون على وجه الدقّة ماذا ينبغي فعله عندما يحين ذلك الوقت الحرج. وأعقب ذلك نقاش عن الموادّ الدستوريّة ذات العلاقة. وهنا أشار السفير نيوسوم إلى المادّة المعنيّة مذكّرا بأن النقاش حولها جرى مؤخّرا مع علي السّاحلي الرئيس السّابق للديوان الملكي. وقد أثير أن الدستور يمنح سلطات تنفيذيّة إلى مجلس الوزراء، في حالة وفاة الملك،إلى أن يظهر الملك الجديد أمام البرلمان لكي يحلف اليمين القانونيّة. وبناء على ذلك تمّ التوافق على أنه مهما يكن رئيس الوزراء في تلك الفترة،فإنه سيلعب دورا حيويّا. وأن الإجراء الدستوري سيكون أحد العوامل، وليس أكثرها أهميّة عندئذ.
 
2 – لخّص السفير نيوسوم تقييم السفارة الأميريكيّة الحالي عن توقّعات وراثة وليّ العهد للعرش، وهو ما يتوافق مع الآراء التي عبّر عنها السفير ساريل. وذكر فحوى محادثة قريبة أجراها مع وليّ العهد ذاته، ومع رئيسي الوزارة السابقين فكيني والبكّوش تؤيّد القول بأن وليّ العهد أحرز تقدّما في إعداد نفسه لتولّي دوره المقبل. وأضاف نيوسوم أنه فوجيء بما أعلمه به فكيني من أنه كان على اتّصال بوليّ العهد، وأنه حاول تشجيعه على تبنّي برنامجا إيجابيّا يطبّق عندما يأتي إلى السلطة، واستطرد نيوسوم في القول إن هذه المصادر أكّدت الإنطباع البريطاني عن أن النقمة ضدّ آل الشلحي في ازدياد، نتيجة الصفقات التجاريّة التي عقدوها والمنتشرة أخبارها بين أوساط الرأي العام، وذكر أيضا ما علم به من جهود بذلها آل الشلحي مؤخّرا من أجل التوصّل إلى تسوية مؤقتة مع وليّ العهد، مستخدمين السيّد عبد الله عابد، من بين آخرين، كوسيط. وبدا وليّ العهد – في رأي نيوسوم – مطمئنا نوعا ما تجاه "خطر" آل الشلحي، وأكثر وثوقا بموقفه من موقف العناصر المتوجّسة والمؤيّدة للملكيّة في برقة.
 
الرّاصد السياسي
 
صورة لمحضر التنسيق الأنجلو-أمريكي
 
 

راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (1)
راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (2)
راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (3)

مقالات سابقة للراصد السياسي:
  لا حياء لمن تنادي!
  مأساة ومهزلة الجامعة العربيّة وملهمها الجديد
  سيف القذّافي يتبنّى مطلب المعارضة بالدستور!
  إبن القذّافي يغوص في بحر من الأراجيف!
  زوجة ساركوزي في طرابلس لمرافقة الممرّضات!
  إسدال الستار على مسرحيّة لم تتمّ!
  تأجيل الحكم تأكيد للمؤامرة !
 "تبو" ليبيا يطالبون بتكوين دولة !
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 
تعليقات القراء:
 

مش لازم: ياودي الاجرام متأصل في الامريكان وفي العميل امتعهم معمر اسف اقصد مدمر.


 
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 
 

libyaalmostakbal@yahoo.com