30/09/2007
 

 
كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (6)
 
بقلم: الرّاصد السياسي

 
للتذكير:
 
سنواصل في هذه الحلقة سرد ما حفلت به الكتب الأنجلو – أميريكيّة من روايات، دون أن نتعرّض لها بالتعليق والتحليل في هذه المرحلة، لأنّنا سنقوم بالتقييم واستخلاص الرأي في نهاية السلسلة، إلاّ أن هذا لا يمنعنا من لفت إنتباه القاريء المهتمّ إلى أن يستنتج العبر ويعقد المقارنات، هذا مع عدم رغبتنا في أن نستبق تفكيره إذ سيكتشف أن وضع الملك الشخصي وهواجس القصر الملكي واللاّعبين حوله عشيّة إنقلاب القذّافي، تشبه إلى حدّ كبير وضع القذّافي الشخصي هذه الأيّام، وما يدور بين أبنائه والمحيطين بسدّة حكمه من صراعات ومناورات حول خلافته، دون غضّ النظر عن تحرّكات القوى الأجنبيّة الفاعلة في المشهد الليبي، وهي نفسها الأنجلو – أميريكيّة، وربّما دخلت عليها الفرنسيّة مؤخّرا !
 
البكّوش يعترف بالتآمر ويتّهم الأميركان:
 
ونستأنف الآن الإستشهاد بما ورد في كتاب ديفيد بلوندي وأندرو ليسيت"بعنوان "القذّافي والثورة الليبيّة" والصادر بتاريخ 1988، والذي جاء فيه:
 
في عام 1969 كانت هناك ثلاث أو أربع مجموعات تتنافس للإطاحة بالعرش، وإحدى المؤامرات التي تُعزى إلى عبد العزيز الشلحي أحد قوّاد أركان الجيش، قيل إنها كانت تحظى بموافقة ملكيّة، فالملك – حسب هذه الرواية – كان يسعى إلى تمهيد طريق حكم البلاد أمام عبد العزيز وأخيه عمر، الذي تولّى رئاسة الخاصّة الملكيّة خلفا لأخيه البوصيري، وإن كان الملك يفضّل عمرا، إلاّ أنه مدركا لسوء سمعته شعبيّا، فإن إعطاءه موافقته العلنيّة ستكون بمثابة القضاء عليه سياسيّا. وهكذا فالخطّة أن يذهب الملك لتمضية عطلته، وأن يسمح لآل الشلحي بتنحيته عن العرش، ومن ثمّ يعود ويعيش بقيّة حياته سعيدا بقصره في طبرق. وهناك مؤامرة أخرى كانت تدبّر من قبل عقيد في الجيش،قيل إنه مؤيّد من الحكومة العراقيّة. وعلاوة على ذلك ثمّة مؤامرة ثالثة حيكت من قبل رئيس الوزارة السابق البكّوش، الذي استقال قبل عام. وهنا ينقل الكاتبان عن عبد الحميد البكّوش قوله:
 
"في سنة 1969 كانت البلاد مهيّئة للإغتصاب. لقد كنت على علم بأن مجموعة من المثقّفين وضبّاط الجيش كانوا يدبّرون للإستيلاء على الحكم. وقد كنت طرفا في هذه المجموعة. ولا يمكنني إعطاؤكم أسماء البقيّة، لأن معظمهم ما يزال في ليبيا. ولقد تأخّرنا بسبب جدل داخلي بيننا، ففريق كان يريد تأكيد الإستمراريّة، وليس القيام بانقلاب سيقود إلى انقلاب آخر. ودار النقاش حول أنه في حالة إنتزاعنا للحكم من الملك بالقوّة، فعلينا أن نبقي عليه كرمز، ونتركه لكي يظلّ ملكا بالإسم فقط".
 
وواقع الحال أن المرحوم عبد الحميد البكّوش أكّد جزءا من هذا الإعتراف سنة 1983، أي قبل مانقلناه عن الكاتبين البريطانيين بخمس سنوات، إذ صرّح يومها لمجلّة (المجلّة) السعوديّة في عددها رقم 173،مترحّما على وفاة الملك السّابق في ذلك الوقت، رحمه الله رحمة واسعة وأسبغ عليه رضوانه، وممّا قاله البكّوش إنه كان يعلم باستعداد القذّافي ومجموعته للإطاحة بالملك، وإنه سافر إلى اسطنبول وقدّم له المعلومات، لكن الملك لم يهتم لضعفه في مواجهة الأحداث. ولكن البكّوش لم يقدّم تفسيرا (فيما نعلم حتى وفاته) لعودته المفاجئة إلى ليبيا يوم 29 أغسطس 1969، أي قبل يومين فقط من حدوث الإنقلاب.. وقد تساءلت مجلّة (الوطن) صوت "الجبهة الليبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة" المعارضة في عددها بتاريخ 12 مايو 1983، والتي نقلنا عنها الخبر: "هل كانت عودته لمقاومة الإنقلاب الموعود ؟ أو للمشاركة في إنقلاب كان يعدّ له فريق آخر؟ أم مجرّد صدفة سيّئة لا تقلّ سوءا عن توقيت تصريحه للمجلّة". وكان من حقّ الشعب الليبي أن يعلم مزيدا من الحقيقة التي لم يفصح عنها البكّوش كاملة، إذ فضّل كما يبدو أن يأخذ شهادته لتدفن معه في الثرى غفر الله له..
 
وعودة إلى كتاب المؤلّفين البريطانيين، فقد علّقا قائلين : لو أن كلّ واحد تدرّع بمزيد من الصبر، لاستقال الملك من تلقاء نفسه. فعندما حزم 400 من الحقائب وذهب في العطلة الصيفيّة إلى اليونان وتركيا، كان قد بلغ سنّ الشيخوخة وعليلا ضجرا.. ولقد حاول أن يتنازل مرّة عن العرش، ولكن رجال القصر حثّوه على البقاء، لعدم توفّر خليفة ملائم. وفي أثينا عاده إليه طبعه القديم، فاستدعى رئيس البرلمان ورئيس مجلس الشيوخ للمجئ إلى حيث سلّم لهما خطاب تنازله، وطلب منهما أن يدعوا إلى جلسة طارئة للمجلسين لإعلان هذا التنازل.
 
وحسب (ويكفيلد)،فإن الحكومة البريطانيّة كانت تعلم أيضا بنيّة الملك في التنازل، غير أن التقارير كانت غائمة :"لقد كنّا في حيرة من أمرنا، من يا للنحس سيتولّى الحكم! فعبد العزيز الشلحي كان في مركز يتيح له القيام بذلك، ولكنّنا لم نستطع بتاتا إكتشاف خطّة حقيقيّة لديه. والشقيق الآخر عمر كان كتوما بحيث يتعذّر معرفة نواياه. ووسط هذه الظروف كان علينا بكلّ بساطة أن نشجّع الحكومة على الحذر وأن تتخذ الإحتياطات اللاّزمة. لقد كانت هناك كتيبة من قوّة دفاع برقة في حالة إستنفار، غير أن القذّافي إستطاع أن يتسلّل إليها بالفعل بواسطة أحد الضبّاط الشبّان المؤهّلين. ونظرا إلى شعوري بالقلق إزاء الوضع، فقد كنت على موعد في ذلك الصباح الأول من سبتمبر مع رئيس الوزارة.
 
النفي الأمريكي الملتبس:
 
وفي يوليو 1970 أدلى ديفيد نيوسوم، الذي كان سفيرا لبلاده في طرابلس حتى فترة قصيرة قبل الإنقلاب، بشهادته أمام لجنة الشئون الخارجيّة للكونجرس الأمريكي التي قال فيها: "شئ واحد لم يتمّ إدراكه بشكل عام، وهو حقيقة إنتشار تقارير لم يشأ الكثيرون تصديقها، حينما وُجّهت بعض التهجّمات إلى شخص الملك، ولأوّل مرّة في تاريخ ليبيا، وكانت قبيل الإتقلاب مباشرة، فربّما قام الملك من تلقاء نفسه بالتنازل، أو أنه كان يرتّب لانقلاب من صُنعه هو مع بعض العناصر المحيطة به، وذلك ضدّ وليّ العهد الذي لم يمحضه يوما ثقته. ولذا كان من المؤكّد أن الإنقلاب جاء في وقت يُشَكّ فيه عن حقيقة نوايا الملك."
 
لقد تردّد الملك طويلا، وخطط القذّافي كانت معدّة جيّدا، وهنا يقول البكّوش إن الأمريكيين كانوا يعلمون عن مؤامرة القذّافي وعاونوه فيها. إلاّ إن هذا القول نفته وزارة الخارجيّة الأمريكيّة ونفاه ديفيد نيوسوم، الذي قال إنه لم يسمع بالقذّافي إلاّ بعد الإنقلاب، عندما سلّم له البريطانيّون تصريحات العقيد (لاو) وفريق التدريب. وممّا أدلى به أمام لجنة العلاقات الخارجيّة قوله: "إنه من الصعوبة بمكان لأي شخص خارج البلاد أن يكتشف بدقّة ساعة وطبيعة الإنفجار السياسي عندما يؤخذ رئيس الوزارة والملك على حين غرّة. ومهما يكن من أمر فالسجلاّت ستوضّح أنه في زمني وقبل أن أغادر ليبيا عبّرت لواشنطن، ولمعظم القادة السياسيين الذين حادثتهم، عن إنفصام الملك المتزايد عن مسئوليّاته في السلطة في ليبيا، وعن تفاقم الفساد والتدخّل في شئون الحكومة الذي أضحى ديدن عدد من الأشخاص المحيطين بالملك، وتركتُ ليبيا معبّرا عن إنزعاجي الشخصي بأن الوضع السياسي فيها ليس صحيّا.
 
وعلى الرغم من ذلك فالبكّوش يقول إن الأميريكيين كانوا يعلمون لأنّه أبلغهم بالأمر.. ويمضي في حديثه: "لقد سمعت عن محاولة إنقلاب القذّافي قبل شهرين من حدوثها. وعرفت أسماء خمسة أو ستّة من القائمين بها. لقد كنت حينها سفير ليبيا في باريس، وذهبت إلى السفارة الأميركيّة لكي أتحادث معهم بشأنها، وتحدّثت بالتحديد مع رئيس محطّة الإستخبارات C.I.A فيها. كان ذلك تقريبا قبل شهرين من الإنقلاب، وحدّثتهم جميعا عنه. وذهبت أيضا لمقابلة إدريس في تركيا وتكلّمت معه حولها. لقد رفض أن يعود إلى ليبيا". كما يقول البكّوش إنه لم يكن المصدر الوحيد بالنسبة للمعلومات الأميريكيّة، ويضيف: "لقد اتّصل الأميريكيّون بالقذّافي عن طريق السفارة بطرابلس. وشجّعوه على الإستيلاء على الحكم، وكان هناك العشرات من العاملين في جهاز الإستخبارات الأميريكيّة في ليبيا آنئذ على علم بما يجري. لقد كان الأميريكيّون متخوّفين من الضبّاط الكبار والمثقّفين في ليبيا لاعتقادهم أن هؤلاء مستقلّون في آرائهم، ولا يقبلون أن يسيّروا كدُمى. إذ كانوا يعتقدون أن ثمّة رابطة بينهم وبين عبد الناصر في مصر. وهو ما جعلهم يخشون من أن تفلت ليبيا من أيديهم لتدخل في تحالف وثيق مع مصر. وهنا اكتشفوا هذه المجموعة من الضبّاط الصغار الجهلة، والمجهولين من الجميع، والذين يقودهم القذّافي. كانوا كما يبدو ضعفاء، مدفوعين بالدرجة الأولى بالطموح الشخصي وبذلك يمكن، حسب رأي أميريكا، السيطرة عليهم".
 
كانت هناك – إذن- عدّة نظريّات عن ضلوع الدّور الأمريكي في الإنقلاب، وأعاد مؤلّفا الكتاب تأكيدات البكّوش لهما عن هذا الدّور، ثمّ شرعا في تحليلها منطلقين من أن رفض البكّوش إعطاء أسماء لتبرير نظريّته يفقده المصداقيّة. وربّما لأن الأميركيين لم يقفزوا في عربة ثورته عام 1969،أو لأنهم رفضوا مساندة محاولات إنقلابيّة لاحقة ضدّ القذّافي. فليس هناك دليل آخر عن مساعدة القذّافي قبل حدوث إنقلابه.. غير أنه من الصعوبة تصديق أن الولايات المتحدة لم تكن على علم به. وحتى العقيد (لاو) يرى أن إدّعاءات البريطانيّين والأميريكيّين بجهلهم له لا يمكن تصديقها. فالبريطانيّون كان لديهم ملف سميك عن القذّافي منذ سنة 1966، وأنهم كانوا يتقاسمون المعلومات الإستخبارتيّة مع الأميريكيين بشكل روتيني. فإذا كان عبد العزيز الشلحي على علم بالمؤامرة، والقذّافي متأكّد من ذلك، فسيكون من المستبعد أنه – كقائد في أركان الجيش- لم يبلّغ الملك والبريطانيين والأميريكيين. لأن تنظيم القذّافي كان مخترقا بشكل جعل القليلين فقط من ذوي المناصب العالية في ليبيا لا يعلمون بأن المتاعب ستقع لا محالة!
 
ثمّ ينقل الكاتبان عن العقيد عزيز شنّيب، الذي كان المسئول الثالث في القيادة وتولّي مهمّة التدريب، قوله: "اعتقدنا أنه من الهراء أن يقوم القذّافي ومجموعته بأي شيء. وقد جاءني أحد أعضائها وشرح لي كلّ شيء حول خطّتهم، وفي الحقيقة لم نتجاهلها بالمرّة، ولكننا تفادينا إحداث ضجّة كبيرة في البلاد في ذلك الوقت، ورأينا أن أحسن وسيلة هو إيفاد هؤلاء الضبّاط الصغار في بعثات تدريبيّة في الخارج وعندما يعودون سوف نوزّعهم في عدّة مواقع في الجيش". وأيّد ويكفيلد أن القذّافي كان من بين من سيوفد في بعثة لستّة أشهر إلى بريطانيا، كما هو معروف.. ويختم الكاتبان هذا الفصل بأن القذّافي، سواء كان مسنودا بدعم أمريكي خفيّ أو نشيط، فإنه استمرّ في العمليّة المدبّرة والتي كانت ستقع يوم 11 سبتمبر، لولا إقامة سهرة كبرى للمطربة أم كلثوم في ذلك المساء وحضور كبار المسئولين فيها، ولذا عدل عن القيام بالإنقلاب وبكّر به ليكون في الأوّل من سبتمبر. وهكذا كان.
 
(يتبع)
 
الرّاصد السياسي
 

راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (1)
راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (2)
راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (3)
راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (4)
راجع:  كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (5)

مقالات سابقة للراصد السياسي:
 
  سيف القذّافي وتلهّف الغرب!
  لا حياء لمن تنادي!
  مأساة ومهزلة الجامعة العربيّة وملهمها الجديد
  سيف القذّافي يتبنّى مطلب المعارضة بالدستور!
  إبن القذّافي يغوص في بحر من الأراجيف!
  زوجة ساركوزي في طرابلس لمرافقة الممرّضات!
  إسدال الستار على مسرحيّة لم تتمّ!
  تأجيل الحكم تأكيد للمؤامرة !
 "تبو" ليبيا يطالبون بتكوين دولة !
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 
تعليقات القراء:
 

 
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 
 

libyaalmostakbal@yahoo.com