24/09/2007 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
حظي الكفاح المسلح المنطلق من الشتات، وعبر عقود، بالإجماع الوطني الفلسطيني باعتباره أكثر الأساليب فاعلية في تحريك الشتات ومنحه التماسك والوحدة وبالتالي الحراك السياسي المطلوب. كما بدا أن الكفاح المسلح هو أقصر الطرق نحو انتزاع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بعناوينها الثلاث: الدولة والقدس وعودة اللاجئين. والآن، وبعد ما يقارب ستة عقود على اغتصاب فلسطين ودخول القضية الفلسطينية في عنق الزجاجة، أصبح التساؤل حول مصير المشروع الوطني الفلسطيني يمتلك مشروعيته في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، وبات من حقنا أن نتساءل عن المسافة المتبقية التي تفصل بين الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة، وهل لازال الكفاح المسلح هو أقصر الطرق لتحقيقها؟ وهل لا يزال هو الأسلوب الأمثل لكفاح الشعب الفلسطيني على طريق التحرير وتقرير المصير؟ وهل الكفاح المسلح هو استراتيجيا مقدسة أم تكتيك يحدده الظرف الفلسطيني الداخلي والظروف المحيطة به؟ وهل من خيارات أخرى يملكها الشعب الفلسطيني وقياداته تكون فاعلة ومؤثرة في تصويب وتقويم مسيرة الثورة الفلسطينية والنضال الوطني الفلسطيني؟ وما هي حظوظ تلك الخيارات من النجاح، وما مدى حضورها حتى الآن في أسلوب وعمل الفصائل والتنظيمات الفلسطينية المختلفة؟ وهل السياسة وممارستها تشكل والكفاح المسلح طرفي نقيض في المعادلة الوطنية أم أن الجمع بينهما ممكن وضروري؟قد لا نستطيع الإجابة على جميع الأسئلة التي قدمناها أعلاه، لكننا نحاول هنا أن نقدم قراءة تاريخية نقدية للكفاح الفلسطيني الذي ارتكز أساساً على أسلوب الكفاح المسلح، علنا نقدم إسهاما متواضعاً في عملية مراجعة أشمل لتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة التي تمر اليوم بظروف داخلية وإقليمية ودولية معقدة ستحدد طريقة التعاطي معها مستقبل القضية الفلسطينية و المنطقة برمتها. وهي ليست بالخطوة الفردية ولا ينبغي لها أن تكون، بل هي جهد جماعي يتحمله الشعب الفلسطيني بكافة فئاته من مثقفين ومفكرين وباحثين وسياسيين وأكاديميين، وتتحملها علوم في تخصصات مختلفة سيكولوجية واجتماعية واقتصادية وسياسية ونحوها من علوم متاخمة. ونلح على الدراسة التاريخية اقتناعاً منا أنه لا يمكن فهم الحاضر إلا بالنظر على العوامل الماضية التي شكلت هذا الحاضر، مع الحفاظ لهذا الحاضر على استقلاله النسبي، وإيماناً منا بأنه وحدها هذه المراجعة كفيلة في تطوير حاضر القضية الفلسطينية ورسم مستقبلها.منذ العام 1948 افتقد الشتات الفلسطيني لعوامل الأرض والمجتمع والاقتصاد، وبالرغم من ذلك استطاعت ذاكرة جيل النكبة أن تسهم في بلورة الهوية الفلسطينية والحفاظ عليها. وربما تناسبت عملية العزل التي فرضتها معظم الدول العربية على اللاجئين الفلسطينيين وعدم رغبتها في دمج هؤلاء اجتماعياً وسياسيا، طرداً مع تشكيل مجال سوسيولوجي خاص باللاجئين الفلسطينيين إنطلاقاً من مخيماتهم. آنذاك لم تكن قد برزت بعد أي معالم لمؤسسات أو منظمات فلسطينية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. لكن استطاع هذا المجال السوسيولوجي الفلسطيني أن يعبر عن نفسه، بعد حوالي عقد من اللجوء، من خلال منظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف) بعد أن استطاع أحمد الشقيري أن ينتزع موافقة عربية خجولة ومترددة على تشكيلها، لكنها كانت مشروطة في الوقت نفسه بأن تبقى المنظمة تحت السيطرة العربية وأن لا تتعدى الصيغة السياسية.بعد فشل مشروع الوحدة العربية الذي حمل عنوان"الجمهورية العربية المتحدة" عام 1961 م أصيبت الشعوب العربية والفلسطينية بخيبة أمل جديدة. وربما عول الفلسطينيون أكثر من غيرهم على الوحدة العربية كطريق لتحرير فلسطين. هذا الإخفاق دفع الفلسطينيين إلى استبدال شعار "الوحدة طريق التحرير" بشعار "التحرير طريق الوحدة"، وبدأ الوعي الفلسطيني يقر بضرورة انتزاع المبادرة من أيدي الأنظمة العربية وألا يكتفي بحالة الانتظار التي عممت كأيديولوجيا عربية رسمية طالبت الفلسطيني بالانتظار ريثما تقوم الجيوش العربية النظامية بتحرير فلسطين وإعادته إلى أرضه.بدأت فصائل وخلايا العمل الوطني الفلسطيني بالتشكل. وشيئاً فشيئاً برز دور الكفاح المسلح والفصائل المسلحة في قيادة العمل الوطني الفلسطيني. واعتبر العام 1965 لحظة الانطلاق الحقيقية للثورة الفلسطينية والتي قادتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني التي عرفت اختصارا بحركة "فتح". وجاءت هزيمة العام 1967 م لتشكل فشلاً ذريعاً لحركة التحرر العربية التي تمثلت آنذاك بالمشروع القومي الناصري. وكان على حركة التحرر الوطني الفلسطيني العتيدة أن تطرح نفسها كبديل ثوري حقيقي لحركة التحرر العربية المهزومة وأن تصنع المعجزات.تحققت المعجزة، أو على الأقل هكذا أريد لها أن تكون في اللاشعور الجمعي الفلسطيني، في مخيم "الكرامة". هناك تمكنت المقاومة الفلسطينية بمساعدة ضباط من الجيش الأردني من الصمود وصد عدوان إسرائيلي على المخيم وإلحاق خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي. وبالرغم من الخسائر الكبيرة التي مني بها الجانب الفلسطيني فإن ذلك كان كافياًُ ليعتبر انتصاراً بالنسبة للفلسطيني صاحب الإمكانيات العسكرية المحدودة لكن المسلح بعزيمة وإرادة قويتين. آنذاك كان كل ما يتعلق بالعزيمة والإرادة سلاحاً جباراً في وجه الاحتلال وكفيل وحده بالتعويض عن أية إخفاقات عسكرية. ومنذ ذلك الحين ستشهد فصائل العمل الوطني المسلح إقبالاً جماهيريا وشعبياً فلسطينياً واسعاً، انضمت إليهم أيضاً أعداد ليست بالقليلة من المتطوعين العرب، بل وسيكون هناك في صفوف المقاومة الفلسطينية يابانيون وأمريكيون جنوبيون وجنسيات أخرى. وبحلول العام 1969 م ستصبح منظمة التحرير الفلسطينية حركة كفاح مسلح انضوت تحت لوائها مختلف الفصائل الفلسطينية، ومثلت المنظمة في حينه وعبر سنوات ما يشبه دولة فلسطينية في المنفى قدمت مؤسساتها الكثير من الخدمات الاجتماعية في المجالات المختلفة مما جعلها بحق التجسيد المؤسساتي للهوية الوطنية الفلسطينية.ولكن نتيجة لتدفق أعداد الكبيرة على الفصائل الفلسطيني المختلفة لاسيما حركة "فتح" بعد معركة "الكرامة"، ستعاني هذه الفصائل من اضطراب تنظيمي نتيجة لكون البنية التنظيمية لتلك الفصائل غير مهيأة أصلاً لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة التي احتاجت إلى التأهيل والإعداد دفعة واحدة. وستكون تلك بداية لأهم الأزمات التي ستشهدها الفصائل الفلسطينية المسلحة، والتي ستتمثل في رجحان الجانب الكمي على الجانب النوعي في عملية الاستقطاب الجماهيري، وفي تضخم البنية العسكرية على حساب البنية التنظيمية السياسية لهذه الفصائل، وسيلعب هذا الخلل دورا هاماً في هزيمة "أيلول الأسود". وهذه، ليست حكاية أخرى.بدأ نهج الكفاح المسلح يلقى الكثير من المعوقات التي تداخل فيها الذاتي والموضوعي. لاسيما حين يتعارض منطق الثورة ومنطق الدولة وحينما يصبح من الصعب ضبط العسكر والسيطرة على فوهات البنادق في ظل اضطراب تنظيمي وتضخم الأجهزة العسكرية لهذا الفصيل أو ذاك واستقلالها في أحيان كثيرة عن البنية التنظيمية الأم والقيادة السياسية، وفي ظل غياب التنسيق والقيادة الموحدة للأجنحة العسكرية التابعة للفصائل المختلفة، وعدم الاتفاق بين الفصائل المسلحة على شكل وأسلوب العنف الثوري بل وحتى على توقيته وحدوده، بل بقي السلاح الفلسطيني في حالة من الفوضى يجوب الشوارع جيئة وذهاباً وبشكل علني ومكشوف. وكانت الدول العربية موزعة بين متقاعس عن مواجهة العدو الإسرائيلي وأخرى، وإن لم تكن كذلك، فإنها لا تملك الإمكانيات اللازمة لهذه المواجهة. وفي كلا الحالين لم تكن أي من الدول العربية راغبة في ترك زمام المبادرة في يد الفصائل الفلسطينية لتحدد زمان ومكان المواجهة، خصوصاً في وضع ديمغرافي يشكل فيه الفلسطينيون أكثر من 60% من مجموع السكان. لهذا كانت هزيمة "أيلول الأسود" قاسية ومكلفة. ليس على الصعيد العسكري وحسب بل أيضا على الصعيد الاجتماعي والنفسي، فبالإضافة على عدد كبير من الضحايا أصيب المجال السوسيولوجي الفلسطيني بالتصدع وكان عليه أن ينتظر سنوات طويلة قبل أن يستطيع النهوض بالحدود الدنيا مجدداً. وبرهنت هذه الهزيمة أن حركة التحرر الفلسطينية لم تستطع أن تكون ذلك البديل الثوري الحقيقي لحركة التحرر العربية التي هزمت في العام 1967 م بل شكلت امتدادا لها بكل تناقضاتها وإخفاقاتها وقصر نظرها وسوء تقديرها، وأخيراً عدم قدرتها على حسم المعركة برغم كل ذلك التجييش والعسكرة للحياة اليومية العربية.بعد أيلول فقدت المقاومة الفلسطينية قاعدة هامة من قواعدها وفقدت معها حدودا طويلة نسبيا وجغرافية مثالية لأسلوب وعمل حرب العصابات، عادت بعدها المقاومة لتبني قواعدها ولكن هذه المرة على الأراضي اللبنانية. فقد لبت منظمة التحرير الفلسطينية، الباحثة أصلاً عن قاعدة جديدة، دعوة مجموعة من القوى الوطنية اللبنانية للتواجد على الساحة اللبنانية. لتغرق من بعدها المنظمة وفصائلها في مستنقع الحسابات المذهبية والتركيبة الطائفية للمجتمع اللبناني. وسيبدأ الصدام مع الحكومة اللبنانية مبكراً بعد الاعتداءات الإسرائيلية على قريتي "حاصبيا" و"دير العشائر" اللبنانيتين في 21 و22 /حزيران/ 1972 رداً على عمليات المقاومة الفلسطينية لتعلن المقاومة تعليق عملياتها العسكرية حتى إشعار آخر. وهو ما سنكمل الحديث عنه لاحقاً.* كاتب وباحث فلسطينيمقالات سابقة:
|
|||||||