03/12/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

نوفمبر 2005

              


 

فنجان ديمقراطية في مقهى الإستبداد العربي

بقلم: مراد بالحاج

 

الحاكم لم يجد لها سوى التزوير....والمواطن يتوعدها بالعنف

 

إمرأة جميلة الحسن والمفاتن...أنيقة الذوق والملبس...هي التي رأيتها يومًا...لن تكون إلا  إبنة اللورد والكنتيسة. وأنا أتمشى في إحدى أحياء  لندن الراقية, فقد لفتت نظري وأنا أتبعها حتى نظر إلي رجل أسود  يمشي بجانبي وقال:

 

هل تعرف المرأة التي تتبع يارجل ؟

 

فقلت .. في الحقيقة لا , فأبتسم الرجل وقال على العموم أنت لست الأول أو الأخير من يفعل ذلك..إستمر... فهي الإبنة المدللة والوحيدة لدولة المؤسسات والقانون...إنها الأميرة ديمقراطية...ثم أستقل أول باص في طريقه للعالم الثالث.

 

و لم أدخر جهداً في اللحاق حتى إقتربت منها...وهمست: هل لي بفنجان منك ديمقراطية ؟ فأجابت في تحفظ: لما لا.

 

كانت فرحتي عارمة بهذا التجاوب...ودخلنا المقهى وإذ بالنادل يشاور بيده لنا في إشارة لمكان الجلوس, وقد طلبت هي فنجاناً من القهوة  فيما أكتفيت أنا بفنجاناً منها...وقد بدأت لي وكأنها ليست المرأة التي رأيت في الشارع...فهي متقدمة في السن ولكنها على درجة من العناية بجمالها وأناقتها بالشكل الذي يكفل لها المعاكسة وخطب الود.

 

وعند بداية الحديث...فاجئتني بسؤال : هل تعرفني من قبل ؟ لما طلبتني للمقهى ؟

 

فأجبت: ومن لا يعرف الأميرة ديمقراطية...وخاصة بعد أحداث سبتمبر في واشنطن ونيويورك, لم يعجبها الكلام ولكنها تجيد فن  ديبلوماسية الموقف. فقالت وهل تظن أنني بنت الأمريكيين؟ قلت لا أعرف بالضبط!!

 

وهنا أخذت الأميرة زمام الأمر في الحديث وقالت: دعني أشرح لك الأمر: أنا أعرف جميع العواصم في العالم... القديم منه والحديث...ولكنني لا أتخذ مقراً لسكناي إلا في عدد معين منها..وذلك نظراً لخصوصية المناخ الذي أعيش فيه...الأمر الذي لا يتوفر في كل العواصم في عالم اليوم. فسألت:

 

وماهو المناخ الذي تفضلين؟

 

فقالت المناخ معروف وواضح لدى الجميع, ولكن هناك من بذل الجهد والوقت وعمل على توفيره...وهناك من إستفرد بالجهد والوقت وعمل على إقصائي وتغييبي , فالموطن الذي أتخذ أينما يُحترم الإنسان وُتصان كرامته...وُتقام الدولة ذات المؤسسات والقانون... وهذا بإختصار المناخ الذي أُحبذ.

 

ثم سكتت لبرهة...وألقت إلي بسؤال: لم تقل لي من أين أنت ؟

 

 فقلت أنا من الشرق الأوسط وبالتحديد من الدول العربية....فهزت رأسها وقالت: أعرف المنطقة تمام المعرفة.

 

فوقع ردها علي وقوع الصاعقة...وصحت في وجهها بحماسة الشرقي الذي لا يعرف الديبلوماسية...إذاً تعرفين المنطقة.. ولما لم تتعايشي معها...كم خائنة أنتِ وعميلة للإستعمار والإمبريالية أيتها الديمقراطية...لماذا لم تتعايشي معنا وتسمحي لنا بممارسة الجنس السياسي معك وإنجاب أطفال منك...ربما أصبحو يوماً  رجالاً  ُيكرسون مبادئك ويعملون على صيانتها...فنظرت إلي...ثم طلبت من النادل أن يأتني كوباً من الماء.

 

إهدأ ودعني أُُوضح لك الأمر لتزيل ما في  ِذهنك من ملابسات مترسبة من أيام الحرب الباردة: لقد إتهمتني بما يحلوا لك ولكن ذلك ليس بصحيح.... ولدي الدلائل على ذلك!! فأنا لم أمتنع يوماً عن التعايش معكم...ولكن أنتم من تهرب من مسئولياته والتاريخ شهد ولا زال يشهد عليكم ...

 

وتناولت حقيبة كانت تحملها...وأخرجت منها ملفين مثخنين بالورق, وطلبت مني تصفح الأول, وكان بعنوان:

 

معركة الجزائر 1992

 

لفت إنتباهي العنوان... ماهي المعركة التي دارت في الجزائر وفي هذا التاريخ ولم أسمع بها!!!؟

 

فقالت: هل تذكر الإنتخابات الرئاسية الحرة التي دارت سنة 92 في الجزائر؟ ...أه... نعم ..نعم تذكرت.

 

فقالت: لقد رحلت عن المنطقة منذ زمن بعيد وخاصة أثناء فترة ما يسمى بالإستقلال في تلك الدول وإعتلاء العسكر ونشأة الجمهوريات المستبدة والملوك الغير دستوريين لسدة الحكم.

 

وما الذي عاد بكِ للمنطقة سنة 92 ؟

 

سؤال وجيه..لقد عُدت للمنطقة بضمانات فرنسية أنذاك على أن الصوت الإنتخابي سوف يُحترم والنتائج لن يُتلاعب بها كما كان في السابق , ولكن الذي حدث... ما أن ظهرت النتائج الأولية للفرز وظهر بشكٍل واضح الفوز الكاسح للحزب الإسلامي أنذاك والمتمثل في جبهة الإنقاد ( المحظورة الأن ) حتى قامت الدنيا ولم تقعد..فقد بدأت المعركة بفتيل من نائب الجبهة نفسها..فقد ظهر السيد/ علي بلحاج على شاشة التلفاز الجزائري وقال:

 

اليوُم عُرُس الديمقراطية....واليوُم مأَثِمَها

 

فسأله المحاور في إستغراب...عفوا ماذا قلت ؟

 

فأجاب نعم فاليوم هو عُرس الديمقراطية لآننا فزنا بثقة الشعب وبدون تزوير...واليوم مأثمها لأنها ليست من إسلامنا ولا من عاداتنا في شئ....فهي تقليد مستورد ولن نسمح به.

 

فما كان مني إلا أن أستقل أول طائرة بإتجاه العالم المتحضر ونجوت بنفسي من محاولة الإغتيال التي دُبرت لي الأمر الذي أدخل الجزائر وشعبها في فتنة الإقتِتال والتناحر لمدة لا تقل عن العشر سنوات...تأسفت فيها للضحايا الأبرياء الذين قضوا نتيجة الجهل والتخلف.

 

ثم طلبت مني تصفح الملف الأخر والذي يحمل العنوان:

 

ديمقراطية مصر: تزوير ناعم.... وعنف متصاعد

 

وقالت: أنظر ما يحدث في مصر اليوم , لقد غادرتها منذ ثورة يوليو 1952 التي أتت بالعسكر للسلطة, فقد صادروا الدولة بأكملها فما بالك بالحراك السياسي فيها!! ومنذ ذلك اليوم لم أفكر في زيارتها.

 

وكيف عُدت لها في سنة 2005 ؟

 

نعم لقد عُدت ولكن هذه المرة بضمانات ووساطة أمريكية على أن القادة المصريين سوف يحترمون إرادة الشعب ويبتعدون عن السلوك التقليدي في التعامل معي.

 

وما الذي حدث ؟

 

الذي حدث أن التزوير يتطور مع ِقدم الأنظمة في الحكم...فها هو الرئيس مازال يفوز بنسبة خيالية  في الإنتخابات , ثم يعمد إلى الإستيلاء على البرلمان بتزوير الإنتخابات التشريعية لكي يتمكن من السيطرة الكاملة على المناخ السياسي في البلاد و تمرير مشاريعه وحاشيته من خلال التصويت لقوانين غير شرعية لخدمة الأغراض والمصالح الفئوية والطائفية والقبائلية وحتى العشائرية إن شئت , وعلى الفورقررت  مغادرة مصر منذ الإعلان عن فوز الحزب الحاكم  و بنسبته الخيالية كما عودنا سابقاً , الأمر الذي أدى لقيام إنتخابات تشريعية على مستوى المحافظات يكسوها العنف وتعمها الفوضى.

 

ثم إختصرت تجربتها مع المنطقة في الآتي:

 

بالنسبة للعسكر فقد طردوني منذ الوهلة الأولى لأنني لم أكن ضمن أجندتهم أصلاً والملوك حاولوا إغتصابي وجعلي جزء من الحريم الملكي وذلك بإقامتهم الممالك الغير دستورية وأرادوا إشراكي في هذه المؤامرة ضد الشعب. أما الرؤساء الذين يملكون الجمهورية ومن عليها فقد حاولوا إستغلالي والتلاعب بأوراقي لخدمة أغراض غير شرعية. وأخيراً الإسلاميين حاولوا إغتيالي في سنة 92 في الجزائر...وها هم في سنة 2005 يتحفزون ثانيةً لتكرار المحاولة ذاتها في مصر.

 

فلم أملك بعد ذلك سوى رجاءها أن  َتقبل الإعتذار  نيابةً عن المنطقة وشعوبها ككل عن كل َما أسلفت...و تقديم التحية والشكر على صراحتها معي.

 

وقبل أن أودعها طلبت منها أن لا تفكر في العودة إلى المنطقة إلا بعد الحصول على ضمانات كافية وأكيدة ولكن هذه المرة من شعوبها. لأنها الخاسر الوحيد من إستمرار الجفاء والقطيعة السياسية بينها وبين أنظمتها

 

تحياتي...

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة