إبراهيم عبد العزيز صهّد

 

واقع جديد يفرزه المؤتمر الوطني

 

أفرز المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية واقعا جديدا للقضية الوطنية، ولمختلف العناصر الفاعلة والمؤثرة فيها. هذا الواقع الجديد شمل المعارضة نفسها، وشمل الشعب الليبي في الداخل، وشمل نظام القذافي ودوائره المختلفة، كما شمل المتابعين والمهتمين بالقضية الليبية، وفي مقدمة هؤلاء دوائر صنع القرار الدولية، والمراكز الأكاديمية العالمية، وأجهزة الإعلام.

 

القضية الليبية نفسها لم تعد مهمشة مهملة، وإنما حملتها إرهاصات المؤتمر ونتائجه ووضعتها في دائرة الاهتمام بمنظورها الليبي وليس بأي منظور آخر، ثم بمنظور الشعب الليبي وليس بمنظور جلاديه. ولم تعد القضية ضائعة المعالم بين أوهام إصلاح لا يرتجى ولا أمل فيه، وبين حوارات عقيمة استنزفت الوقت والطاقات وشغلت المعارضة عن دورها النضالي. لم تعد القضية ضائعة المعالم، وإنما استعادت هويتها واضحة لا لبس فيها ولا غموض: قضية أمة ترفض الظلم والقهر والفساد الذي يتمثل في حكم فرض عليها، وتتلمس الأسباب والأدوات التي تمكنها من الإطاحة به حتى يمكنها أن تستعيد ذاتها وكرامتها، ثم لتسيطر على مقوماتها ومقدراتها.

 

المؤتمر الوطني أنتج اتفاقا غير مسبوق على أسس واضحة المعالم والأهداف، وأنتج آلية لمتابعة قرارات وتوصيات المؤتمر، ولتفعيل برامج عمل مشتركة للمعارضة. خرج المؤتمرون بعد المؤتمر وهم أكثر اتفاقا، وأكثر تفاؤلا، وأكثر عزما على متابعة الطريق ولكن بعد أن تعانقت سواعدهم وتمازجت آراؤهم.

 

واقع جديد شكل مفاجأة سَرَى الاستبشار بها من داخل ردهة المؤتمر لتحدث موجات متتالية من الفرحة العارمة غمرت أوساط الليبيين في الداخل والخارج، ولتحدث أيضا ردود فعل مرتبكة ومتخبطة لدى النظام وأعوانه في الداخل والخارج أيضا، ولتعري هذا النظام –أمام الساحة الإقليمية والدولية- على أنه نظام هش يعتمد أساليب التهديد والقمع، ولا يستطيع المواجهة إلا إذا كان الخصم مكبلا في زنازين سجونه أو مواطنا تخضعه أجهزة القمع لكل صنوف القهر والضغط والإذلال.

 

واقع جديد اهتمت له دوائر صنع القرار الدولية، التي كان بعضها يسوق فكرة مناعة نظام العقيد واستقرار أوضاعه، وأن المعارضة لا يمكن أن تتفق، فقد رأت هذه الدوائر في ردود فعل النظام المرتبكة والمتخبطة دليلا على ضعفه، كما رأت في ردود فعل الشارع الليبي دليلا على أن الأسس والأهداف التي أرساها المؤتمر هي في الواقع تعبير عن تطلعات وآمال الشعب الليبي، فلم يعد ممكنا والحالة هذه استمرار مزاعم رضى الشعب ومناعة النظام، ولن يكون من السهل استثناء الشعب الليبي من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

والمؤتمر أفرز أيضا واقعا جديدا للمعارضة الليبية. أساس هذا الواقع هو الموقف من الأسس والأهداف التي أرساها المؤتمر فأصبحت المعارضة –بعد المؤتمر- تتمحور حول اتجاهات رئيسة ثلاث:

 

الاتجاه الأول: تيار المؤتمر، وهو لا يقتصر على أطراف المؤتمر ذاتها، وإنما يشمل كل المؤيدين للأسس والأهداف التي أرساها المؤتمر، سواء حضروا المؤتمر أم لم يحضروه. وإذا ما سمينا الأشياء بمسمياتها، فإن هذا التيار يشمل كل أولئك الذين يرون ضرورة انتهاء حكم العقيد معمر القذافي، ورفض مساعي التوريث، وإقامة دولة دستورية ديمقراطية.

 

هذا التيار أمامه تحديات كبيرة وعاجلة عليه أن يواجهها:

  • الحرص على تعزيز الأسس والأهداف التي أرساها المؤتمر، وإبقائها حية، وعدم التفريط فيها لأي سبب. فهي مادة الاتفاق التي كانت سببا في انعقاد المؤتمر ومن ثم في نجاحه.

  • استثمار الزخم الذي أفرزه المؤتمر، والعمل على إدامة هذا الزخم بخطوات متتالية حتى وإن كانت صغيرة.

  • استشعار المسؤولية الكبيرة التي ألقاها نجاح المؤتمر على عاتق هذا التيار، والارتقاء إلى مستوى هذه المسؤولية.

  • العمل المشترك، وما يتطلبه من إنكار للذات، والعمل بروح الفريق، وابتكار وسائل عمل تكفل الإنجاز وتحول دون فقدان روح المبادأة .

  • ضرورة إيجاد قنوات اتصال وتفاهم بين مكونات هذا التيار العريض، بما يكفل التعارف النضالي والتفاهم وتوسيع دوائر المشاركات النضالية.

  •  توسيع دوائر الالتفاف الشعبي -داخل ليبيا- حول أسس وأهداف المؤتمر، وصياغة برامج عمل يمكن للمواطنين المشاركة فيها.

  • إحسان التعامل مع الاتجاهات الأخرى للمعارضة الليبية.

الاتجاه الثاني: ويتمثل في الذين منعتهم اجتهادات اختاروها عن حضور المؤتمر، ولكنهم مع ذلك امتنعوا عن التشويش على المؤتمر، أو الطعن في أهليته، أو التشكيك في وطنيته. وفي الوقت الذي يحق فيه للمؤتمر التعبير عن اختلافه مع اجتهادات هذا الاتجاه، إلا أنه يجب أن يقرن ذلك بالتعبير عن احترام الحق في تبني هذا الاجتهاد المخالف،  لكن ينبغي ألا تؤدي تلك الاجتهادات إلى ما من شأنه أن يطيل عمر نظام العقيد معمر القذافي، أو أن تؤدي متابعة هذه الاجتهادات إلى إضفاء أجواء وهمية تخدع المراقبين للشأن الليبي عن حقيقة ما يجري في ليبيا. بل إنني أرى بأنه ينبغي على تيار المؤتمر أن يبقي حبل الود موصولا مع هذا الاتجاه، بل وحتى إيجاد صيغة للتشاور والتعاون فيما يتم الاتفاق عليه. إن انعقاد المؤتمر الوطني للمعارضة ليس هو نهاية المطاف، ولكنه بداية للعمل الجماعي المشترك للمعارضة الليبية، وإن طريق النضال يمتد بعد المؤتمر، ومن شأن هذا الطريق أن يجمع المناضلين في بعض منعطفاته.

 

الاتجاه الثالث: ويمثله قلة قليلة ممن اختاروا أن يعملوا ما بوسعهم للتشويش على المؤتمر، والطعن في أهليته، والتشكيك في وطنيته، بل وعملوا قبل المؤتمر محاولين عرقلة انعقاده. بعض هؤلاء كانت أوراقه مكشوفة حتى قبل انعقاد المؤتمر، وبعضهم تعرت أوراقه وافتضح دوره قبيل وأثناء انعقاد المؤتمر وبعد تأكد نجاحه. هؤلاء لا ينبغي لتيار المؤتمر أن يضيع وقتا معهم، فهم قد خلعوا أقنعة اختفوا وراءها طويلا، وصنفوا أنفسهم خارج دائرة المعارضة، وجنحوا إلى تنفيذ "أجندة" النظام.

 

وفي الختام ينبغي على تيار المؤتمر أن يغذ السير نحو تحقيق أهدافه، وأن يستثمر كل المعطيات المتاحة من أجل تفعيل حركته النضالية كي تتحول حركة الرفض الشعبي السلبية لنظام العقيد القذافي إلى حركة إيجابية رافضة لاستمرار هذا النظام، ومن أجل وضع لبنات للحوار حول المستقبل الواعد لبلادنا ليبيا.

 


أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com