فى مسيرة العمر من الزنتان الى لندن مرورا بالعديد من مدن العالم عرفت رجالا من وطنى ليبياومن خارج ليبيا ، ظلت صورهم واقوالهم وافعالهم قريبة الى نفسى، راسخة فى ذاكرتى، ومن حق هؤلاء الرجال ان اكتب عنهم، وان اسجل بقلمى جوانب من حياتهم ومن جهودهم الخيرة، وهي جوانب ذات صلة بحياتى وسيرتى وثقافتى ،وهي فى الوقت ذاته جوانب من تاريخ الوطن ورجاله ، فمنهم من علمنى فى المرحلة الابتدائية، ومنهم من علمنى فى المرحلة الثانوية، ومنهم من عرفته او تعلمت منه فى المرحلة الجامعية، ومنهم من تعلمت منه بعد انتهاء كل مراحل التعليم والتقيت به فى الجامعة الكبرى، جامعة المجتمع وحياة الناس وتدافعهم .
 
ومنهم من كان اخا، ورفيقا، اوصديقا فى رحلة العمروما شهدته من نشاطات واعمال فكرية وسياسية كما ابتلاءات ومعاناة هي من سنن الله فى خلقه .ولكل واحد من هؤلاء الرجال، خصائص تعليمية ونفسية واجتماعية تركت معالمها وخصائصها عميقة فى نفسى، منقوشة فى ذاكرتى. ومنهم من كانت له مواقف انسانية او فكرية او سياسية ا وبطولية، لاتمحوها السنوات ولا تزحزحها من مواقعها فى نفسى هموم وتجارب الحياة حلوها ومرها .ومنهم من تعلمت من كتبه وافكاره واسلوبه ..
 
وكتابتى عن هذه الاسماء هي بعض الوفاء الذى اعتبره من اعظم القيم الانسانية، ومن اجل الصفات والأخلاق الآدمية، ومن لايعرف قيمة الوفاء لأهله ورفاقه ووطنه، فعليه ان يتحسس ضميره وثقافته وان يراجع ذاته قبل فوات الاوان. والوفاء كأي قيمة انسانية نسبي يعلو وينخفض، ويكبر ويصغر ، ويتسع ويضيق، تبعا لحظوظ النفوس والعقول من هذه الخصلة النبيلة. ولابد ان اسجل هنا ان اجمل سنوات عمرى، واعمق واجمل ذكرياتى سيرتى ومسيرتى الشبابية، هي سنوات عشتها مابين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، عشتها فى الزنتان (مسقط رأسى) وعشتها فى غريان اثناء مرحلة الدراسة الاعدادية والثانوية، وعشتها فى بنغازى اثناء مرحلة الدراسة الجامعية ، وعشتها فى طرابلس اثناء بداية الحياة العملية والتى كتب لها ان تنطلق من مجال الاعلام: اذاعة وصحافة.
 
وفى كل مرحلة من تلك المراحل كنت تواقا الى مزيد من التعلم والقراءة والتحصيل وكنت ارى فى الفقيه الذى علمنى قراءة وحفظ اجزاء من القرآن بالزنتان وهو (الفقى خليفة بن معتوق)، وفى بعض معلمى بالمدرسة الابتدائية (صالح محمد الشنطة)، ثم فى بالمراحل التالية نماذج تستحق ان يقتدى بها ، وتستحق ان تكون رموزا امامى اتلمس فى سيرتها طريقى نحو المستقبل. وعبر تلك المسيرة عرفت عشرات المعلمين، وعرفت ميئات الزملاء، ومن بين هؤلاء وهؤلاء، قليل اولئك الذين استقرت آثارهم فى نفسى وفى ذاكرتى، قليل اؤلئك الذين احب ان اكتب عنهم ، وبالتحديد ان اكتب عن قيمهم وعن اخلاقهم وعن خصائصهم الانسانية، وبعض تلك الخصائص وتلك القيم ذات صلة : باخلاصهم وجهادهم وصبرهم وعلو همتهم (عمرو النامى) وبعضها تتصل باخلاقهم وجمال نفوسهم وسلوكهم، وفوائد حزمهم، وبعضها تتعلق بكرمهم واريحيتهم وحلاوة مجالسهم، واتساع صدورهم.(محمد هويسة) .وبعض اولئك الرجال اذكرهم لقيمة نشاطهم العام، وحضورهم الاجتماعى والثقافى، ومن اؤلئك الرجال من كان خطيبا يهز النفوس والوجدانات، وتتفجر على لسانه اجمل العبارات تتدفق بيانا وقرآنا وحديثا وشعرا وامثالا (الشيخ فاتح احواص). وفى مجال الصحافة لا انسى (الطاهر النعاس) الذى كان يعمل صحفيا بجريدة طرابلس الغرب وهو الذى فتح لى النافذة الاولى لكي اطل منها على القراء، فكان يستقبلنى بمكتبه ويستلم مقالاتى وينشرها فى المكان المناسب من جريدة طرابلس الغرب التى تتلمذ فيها الكثير من الكتاب ....
 
ومن درر قائمة أولئك الرجال من ركب بفروسية نادرة المخاطر الجسام، واقتحم ابواب الجهاد والكفاح بنفس مطمئنة، وبقلب جسور، وتحلى بايمان عميق، فكان فريدا متألقا بين اصحابه، وسلك طريقا لا يقدر عليه الا قلة من الرجال الافذاذ (أحمد احواس) ومن بين ذلك الموكب (على ابوزيد) الذى يشدك اليه بروحه الجميلة، وبتعليقاته اللاذعة والساخرة وفى عفوية متناهية، فكلماته دائما على رأس لسانه، عاكسة ما فى قلبه من حيوية وحماس واستعداد للأستنفار .
 
لكل واحد من هؤلاء قصة، ولكل واحد من هؤلاء مكانة فى نفسى وفى ذاكرتى، ولعله من المفيد ان يقرأ الجيل الجديد شيئا عن تاريخهم وعن جوانب من صفاتهم، وعن طبيعة زمانهم ومشاغلهم واهتماماتهم، انهم نماج من وطنى ، ومن تاريخ هذا الوطن الذى نحبه ، لأننا رضعنا حبه منذ الطفولة، وهو حب لا تضعفه سنوات الهجرة والاغتراب، ولا تضعفه انواع الصعوبات والابتلاءات .... بعض هذه الاسماء من عائلتى ومن اقاربى فى الزنتان وفى طرابلس، فلكل واحد من اسرتى بفروعها المتعددة مكانة خاصة تكبر وتصغر بحسب مواقفهم وعطائهم وصمودهم خلال سنوات الشدة والابتلاء منذ اعتقالى عام 1973 ثم هجرتى 1978 ونشاطى فى خارج البلاد .... ومكانة والدى وعمى احمد واخى البشير ومحمد العيادى، تظل تاجا على رأس قائمة تلك الاسماء ، فقد ظل والدى شامخا وصبورا وصامدا امام كل انواع الابتلاء الى ان توفاه الله يوم الجمعة 30 يونيو 2000 بالزنتان ،وشيعته جموع المعزين الذين اتوا الى العزاء من جهاة عدة اكبارا له ولمواقفه ، وقد ظل فخورا بمواقفى رافضا اي محاولة للنيل من نسبى واصالتى، وكان ذكيا فى التعامل مع الظروف وما فيها من ضغوطات وصعوبات، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عنى خير الجزاء ....
 
ويلى قائمة العائلة والاقارب اسماء اخرى من اهل الزنتان، وفى مقدمتهم استاذى فى المرحلة الابتدائية (صالح محمد الشنطة) رحمه الله، هو اول الاسماء . فى قائمة الذين علمونى الدروس الاولى ليس فقط فى القراءة والكتابة ولكن تعلمت منه ما هو ابعد من ذلك، تعلمت منه ومن سيرته كيف يكون الانسان القدوة، والمثل لطلابه .... جسد استاذى صالح الشنطة الذى كان مديرا لمدرسة الزنتان الابتدائية ثلاث صفات رئيسة :
 
الحزم حيث كنا نهابه ونحترمه لأنه قويا وعادلا وحريصا على ان نتعلم وان نتفوق فى دراستنا. الذوق الجمالى وهو الصفة الثانية التى تميزه عن غيره، فهو دائما نظيف الملابس، وغالبا كانت ملابسه بيضاء (الحولى او الجرد والقميص والسروال) مع حذاء نظيف جميل، وبهذه القيمة الجمالية كنا نرى فيه قدوة نحاول ان نحتذى بها. اما الصفة الثالثة فى قدراته ومواهبه، فقد كان شاعرا وكان قارئا لأهم المجلات الأدبية فى ذلك الوقت وهي (مجلة الرسالة) المصرية التى تعتبر مجلة الادباء والمثقفين فى كل العالم العربى، وكنت استعير منه بعض اعدادها فى مرحلة التعليم الاعدادى والثانوى فى العطل الصيفية. وكان جميل الخط، وفصيح العبارة فى شرحه وتوضيحه لما يلقيه من دروس. اضافة الى كل ذلك كان من اصدقاء والدى . وجمعت ايام الدراسة بينى وبين ابنه الدكتور محمد الذى اصبح فى مرحلة الدراسة الاعدادية والثانوية من اقرب الاصدقاء الى نفسى، وظلت مكانته وذكريات تلك السنوات مستقرة فى نفسى وذاكرتى.
 
ومن الاسماء المضيئة فى مسيرة عمرى: الاستاذ محمد عريبى الذى درسنى فى المرحلة الاعدادية والثانوية بغريان، وله خصائص تربوية اثرت فى كثير من طلابه فى سنوات الخمسينيات من القرن الماضى، حيث كان نشطا فى المجال العام، وكان يتحدث كمصلح اجتماعي منطلقا من ثقافة ادبية ودينية ، فهو من خريجى الازهر، ويجيد الحديث والتاثير، وله نظرات فلسفية وروحية وتربوية جعلته محبوبا، ويتسم بالهدوء وكانه من رواد مدرسة صوفية نقية جميلة، وهو فى الوقت ذاته يدعو الى العمل الجماعى التعاونى، ويحث طلبته على تكوين الروابط والجمعيات التعاونية فى داخل المدارس، كما له نشاط اجتماعي خارج المدرسة من خلال المساجد فى غريان وفى غيرها من المدن.....وهو اول شخصية تاثرت بها فكريا، وهو اول من جعلنى اهتم بقراءة الكتب الاسلامية وبالكتابة فى الصحف الحائطية التى كنا نكتبها فى مدرسة غريان الثانوية، وهو اول من شجعنى وغيرى من طلابه على القاء الخطب فى الفصول الدراسية او فى المساجد فى العطل الصيفية او فى المناسبات العامة .ومن الاسماء التى تسكن فى نفسى وذاكرتى ـــ قائمة اخرى تشكل عقدا من الجواهر البشرية . لقد عرفت هؤلاء جميعا معرفة نفسية وعقلية واجتماعية، وجمعتنا جلسات واحاديث ومناقشات فى شتى الاتجاهات وحول اعظم القضايا والاهتمامات، ولكل واحد من هؤلاء خصائص ومواقف تجعله قريبا الى نفسى، وتجعله حاضرا فى ذاكرتى، وكلما راجعت مسيرة العمر لاح طيف هؤلاء واضح القسمات والمعالم ....
 
بعض تلك الأسماء رحلت من هذه الدنيا، وافضت الى ما قدمت ... ولقد مضوا وانا الحبيب اليهم وهم لدي أحبـــــــة ابرار.
 
هناك اسماء اخرى كثيرة عزيزة علي، واحمل لها الكثير من الود، ومنهم رجال وشباب ونساء فاضلات مجاهدات عرفتهم خلال سنوات الهجرة والاغتراب، ومن هؤلاء مجموعات عرفتهم فى الولايات المتحدة، ومجموعات اخرى عرفتهم فى بريطانيا حيث مقر اقامتى منذ 1988، والتقيت بهؤلاء وهؤلاء فى جلسات ومنتديات ثقافية واحاديث جميلة وممتدة فى عوالم الفكر والثقافة والسياسة .....
 
هموم اناس فى امور كثيرة وهمى من الدنيا صديق مكافح والكفاح الأعظم عندى هو كفاح الفكر والتربية والمشاركة فى رفع مستوى الوعي لدى الانسان حتى يبلغ الرشد والنضج، ويعرف حقوقه وواجباته، وينطلق مع غيره من المصلحين والمكافحين من اجل تعزيز قيم العدل والحرية والتقدم، وعملية التغيير الفكرى هي اهم واصعب الأعمال الانسانية، والمجتمع الذى ينجح فى هذا العمل بصورة جيدة ومنهجية سينجح فى توفير كل شروط النهضة والتقدم .... واقرب الناس الي اكثرهم اهتماما بالفكر والأدب، واكثرهم ذوقا، فلا قيمة لعلم او فكر لا تزينه الاخلاق الحميدة والتعامل الحسن مع الآخرين. وقد قيل قديما علم بلا خلق كشجر بلا ثمر.
 
وما اصعب ــ فى هذه الدنياــ ان تجد الصديق الوفي النصوح المصابر المكافح .فاصطناع الاخوان والخلان والأصدقاء ليست مهمة سهلة فى عالم مادي يلهث فيه الناس وراء سراب من الشهوات ومطالب الحياة كما تزينها ثقافة الاسواق واغراضها التى لا نهاية لها، وهي ثقافة لم تترك قيمة الا مرغتها فى مستنقعات مادية هابطة .... ووسط هذا الركام الكبير من عالم المادة، والانحطاط البشرى، تبقى الذكريات الجميلة والنفوس الطيبة والعقول الذكية، وان قلت هي ملح الحياة، وعسل العلاقات بين الناس.
 
واذا اطال الله فى العمر، وظلت الذاكرة يقظة وقادرة على التذكر فان تلك الاسماء ستحتل موقعها فى (ذكريات مسيرة العمر من الزنتان الى لندن) ومن الله نستمد العون والتوفيق.
 
صالح محمد على الشنطة:
 
ولد بالزنتان 1917 ، بدا تعليمه بالكتاتيب، ثم التحق بالمدرسة الايطالية، وكلية احمد باشا الدينية ، وصل على دبلوم اجازة التدريس، درس بمدرسة الزنتان الابتدائية منذ عهد الادارة البريطانية فى العقد الرابع من القرن العشرين، وكان اول مدير لمدرسة الزنتان الابتدائية، وعلم اجيالا من ابناء الزنتان .. وكان خير قدوة لتلاميذه. فى اوائل الستينات عين محافظا لمحافظة اوبارى وهي فى اقصى الجنوب، وبها يقيم عمى (عبد الله امسيك) وهو والد كل من المرحوم العقيد عبد السلام امسيك، والمقدم المبروك امسيك . وبعد مدة قصيرة عين مديرا للإ ذاعة الليبية بطرابلس، ويبدو ان اختياره لهذا المنصب يرجع الى قدراته الأدبية واللغوية، فهو اديب وشاعر، وله عدة قصائد لو جمعت لكونت ديوانا كاملا وان كان صغيرا، وعلمت ان احد ابناء الزنتان المهتمين بالأدب استلم من ابنه الدكتور محمد مخطوطات لتلك القصائد لنشرها ..... واحدى قصائده وعنوانها: الحنين الى الوطن منشورة فى كتاب (الشعر الليبى فى القرن العشرين، قصائد مختارة لمئة شاعر ص 118) اختارها وقدم لها د عبد الحميد عبد الله الهرامة، وعمار محمد جحيدر.
 
وبعد ادارته للاذاعة لنحو ثلاث سنوات او اكثر نقل الى وزارة الداخلية واعطي درجة وكيل وزارة الداخلية لشئون الجنسية، وبقي بهذا المنصب الى ان تقاعد ثم اشتغل باحد المتاجر بطرابلس. وفى عام 1999 توفي بالزنتان اثر حادث اصطدام سيارة مع سيارته، رحمه الله.
 

أرشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com