24/02/2005
 

مشروع لإصلاح (النظام الجماهيري البديع) (2) !!؟؟

 

بقلم: سليم نصر الرقعي


 
تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقاله - وبكل واقعيه إصلاحيه ! - على أن (النظام) - وفي ظل وجود وحياة القذافي - سيرفض - وسيظل يرفض - وبشكل قاطع ومبدئي أي مشروع إصلاحي أو طرح سياسي تقدمه القوى الإصلاحيه في الخارج أو الداخل يتضمن مطالبَ بإلغاء النظريه والعقيده الرسميه للدولة والتخلي عن "النظام الجماهيري / البديع" وبإجراء إنفتاح ديموقراطي كامل - على طراز النظم الغربيه - يقوم على أساس التعدديه الحزبيه والتداول السلمي للسلطه والإنتخابات العامه. (1)
 
وسبب هذا الرفض المبدئي المتعنت في القبول بالإنفتاح الديموقراطي الشامل الكامل الذي يبديه القذافي حتى الآن يمكن تلخيصه في النقاط التاليه:
 
أولا ً: أن القذافي لا يملك من الشجاعه الأدبيه والصدق مع النفس والشعب حتى الآن ما يجعله يعترف بالحقيقه .. الحقيقه التي يصرخ بها الواقع ويراها كل عقلاء العالم !! .. فيعلن على الملأ - وبكل شجاعة ومسؤوليه ودون لف أو دوران - بأن نظريته الجماهيريه التي فرضها على الشعب الليبي طوال العقود الماضيه قد فشلت فشلا ً ذريعا ً بركنيها الإقتصادي والسياسي في تحقيق السياده والسعاده لليبيين بل إنها قد فشلت حتى في مقولاتها الغريبه المتعلقه بكرة القدم وتفسير حركة التاريخ على أساس العامل العنصري المرتبط بلون بشرة الإنسان !! .. ويعترف بأنها ليست صالحة للإستعمال البشري العادي أصلا ً أي لا تلبي فطرة الناس كما هم في الواقع .. أو على الأقل يعترف بأنها ليست صالحة للتطبيق في ليبيا .. أو على الأقل ليست صالحة للتطبيق العملي خلال هذه الحقبه من التاريخ ! .. ويعترف أنه قد أخطأ بمحاولة تطبيقها بالقوة والإرهاب والتعسف والإغتصاب وماترتب على ذلك من إنتهاكات أليمه وعظيمه لأبسط حقوق الإنسان وحقوق المواطنين وما لحق بالبلاد والعباد من عار ودمار وخراب ! .. لا فالقذافي كما أعتقد لايملك مثل هذه الشجاعه ولا هذا الصدق والإخلاص مع نفسه وشعبه إلا أن يكون الرجل قد تغير وأنا لا أعلم ! .. فهو وحتى الآن وعوضا ً عن ذلك الإعتراف التاريخي الشجاع نجده لايزال مصرا ً بكل صلف وعناد على الإستمرار في مواصلة هذه (المسرحية) المكشوفه المسماه بــ(السلطه الشعبيه المباشره) على الرغم من كل هذا الفشل التاريخي الفاضح الكبير !.
 
ثانيا ً: سيظل القذافي يرفض الإعتراف بخطأ نظريته وبطلانها والقبول بالإنفتاح الديموقراطي الشامل الكامل بسبب أنه ليس مضطرا ً بالضرورة - حتى الآن - إلى تقديم مثل هذا النوع والحجم من التنازلات الجذريه والجوهريه الكبيره لأن الضغوطات الداخليه المحليه والضغوطات الخارجيه الدوليه لم تصل بعد - وخلال هذه المرحله - إلى الدرجة الحرجه من الضغط والضرورة والتهديد والخطورة مما يضطره إلى الإقدام على هذه الخطوة التاريخيه والجذريه الكبيره !.
 
ثالثا ًً: لأن هذا النظام (السلطه الشعبيه) في الواقع يشكل الغطاء الرسمي والشعار الإيديولوجي والشكلي الذي يمارس من خلاله القذافي صلاحياته وإمتيازاته الثورويه المطلقه - هو وأفراد عائلته - بلا رقيب ولا حسيب!.. وتحت غطاء الشرعيه الثوريه !.. ويكفل له الصيانه من مواجهة أية مساءله وتحمل أية مسؤوليه عن ما لحق بالعباد والبلاد من أخطار وأضرار وعار بسبب الإصرار على أن الرأي الرسمي - رأي الأخ العقيد ! - هو الرأي الصحيح والحق المطلق والوحيد وكل مادونه خطأ وباطل !.
 
رابعا ً: لأن العقيدة السياسيه للدوله والشعارات الثوريه المرفوعه التي ربى القذافي عليها أتباعه وأنصاره من الثورويين تقوم على أساس (الكفر النهائي والتام) بكل تلك البدائل والوسائل الديموقراطيه المتبعه في كل العالم المتحضر والمتقدم بل تقوم على تسفيهها وتحريمها وإعتبارها نوعا ً من الدجل و الزيف والخداع والتخلف والرجعيه والديكتاتوريه ! .. ومن ثم فمن الصعب عمليا ً تصور الإنتقال والتحول من النقيض إلى النقيض بشكل فوري أو سريع ! .. بل لابد أولا ً من (تغليف) كل هذه التحولات والتعديلات والإصلاحات الجديده بغلاف من المصطلحات والتبريرات التي تمرر هذا (الكفر بالنظريه !) بشكل تدريجي من جهة وتحفظ (ماء الوجه) من جهة ثانيه ولا تسبب (هزة عنيفه) للنظام من جهة ثالثه .. هزة عنيفه قد لا يتمكن النظام من الصمود بوجهها طويلا ً .. ولذلك فهو يحتاج إلى ((فترة إنتقاليه)) لتجعل من هذه التعديلات والتحولات تمر مرور الكرام كمن يعبر (الجحيم) نحو (النعيم) مرورا ً بــ(المطهر)!.. ومن أجل أن تظهر تلك التراجعات والإضافات بمظهر يبدو متسقا ً– على الأقل من حيث الأسماء والمصطلحات - مع العقائد والعبارات والشعارات الثوريه التقليديه السائده .. كي لايقال بشكل صريح وشجاع: (أخطأ القذافي .. وأخطأت أو فشلت النظريه !) بل ليقولوا لنا محاولين تبرير كل هذه المراجعات والتراجعات والإختراعات او هذا (الكفر العملي) بالشعارات العقائديه القديمه: (ليس في هذه التغييرات أي كفر بالنظريه ولا تخلي عن مقولاتها الثوريه الخالده ولا العقيده السائده من قريب أو من بعيد بل هذه تطبيقات جديده ونوع من التطوير والتجديد والتصعيد والإبتكار الثوري في تنمية وتحسين أداء النظام الجماهيري البديع !!) تماما ً كالإسلوب و(التكتيك ) الذي تمت من خلاله تمرير و تخريج (الرده العمليه) عن التطبيق الإشتراكي والعودة تدريجيا ً وبشكل فعلي إلى إقتصاد السوق ونظام الربح والتجاره والأجرة والإجاره - وهي كفر وظلم وتعسف حسب النظريه ! - تحت غلاف كثيف من المصطلحات الثوريه الغريبه المستحدثه مثل (الإشتراكيه الشعبيه) أو أحيانا ً (الرأسماليه الشعبيه !) أو (التشاركيات التساهميه) أو (قاعدة توسيع دائرة الملكيه) وغيرها من الشعارات والعبارات التي حاول القذافي من خلالها تمرير ردته (العمليه) بالمقولات الثوريه الخالده والعقائد الإشتراكيه النهائيه ودون أن يعترف بشكل صريح وواضح أن نظريته في الإقتصاد كانت خاطئه من الناحيه النظريه والواقعيه ومخالفة لطبائع الأشياء وطبيعة وقوانين الإقتصاد و أنها فشلت عند المحك العملي بل هاهو لايزال يكابر ويجاهر بأنها هي الحق المطلق الخالد (2) الذي لاشك فيه (!!) بل ويدعو أمريكا والغرب عموما ً إلى تطبيق هذا النظام الجماهيري (البديع) والتخلي عن ما عندها من نظم متخلفه وباليه !!.
 
فهذه - إذن - في رأيي - الأسباب الرئيسيه التي تجعل من القذافي يرفض عملية الإنفتاح السياسي الديموقراطي التعددي الشامل الكامل بــ(الصورة) و(الطريقه) و(الدرجه) التي يطمح إليها الكثير من الإصلاحيين ! .. وسيظل يرفض ويماطل ويناور ويوارب ويسوف ويعطي الوعود المعسوله هنا وهناك ويدغدغ العواطف وويرسل (الإشارات) المؤمله إلى هذا وذاك وحتى آخر لحظه ! .. ولذلك فمن المفروض عليهم - مادموا قد قرروا أن يخوضوا غمار هذا البحر المتلاطم الأمواج - ووفق النظره الواقعيه السياسيه المحايده - وحسب طريقة وأسلوب وتكتيكات الإصلاحيين ومنهج (خذ وطالب) و(فن الممكن) و(التدرج) أن تكون مطالبهم من النظام أكثر واقعيه وملائمه للمأزق الفكري والسياسي الذي حشر النظام نفسه فيه وحشر معه حاضر ومستقبل البلاد والعباد ! .. وأن تأخذ هذه الإصلاحات مظهر تطوير النظام وتعديله لا تغييره وتبديله !.
 
فماهي هذه المطالب الواقعيه والإصلاحات السياسيه التي إذا قبلها الطرفان (النظام والإصلاحيون) كحد أدنى ونقطه مشتركه وحل وسط - خلال هذه المرحله - فإنها - إذا تم تطبيقها بصدق وإخلاص وجديه - يمكن وإلى حد ما أن تؤدي في الواقع إلى نوع من الإنفراج السياسي المحدود والحراك الديموقراطي النسبي الذي لايطيح بأساس النظام ولا برأسه ولا يلغي مظهره العام ويضمن عملية تحول هذا (النظام) المتكلس تدريجيا ً نحو الديموقراطيه الشامله والكامله على مراحل وخطوات ؟ .. والتي إن رفضها النظام فإنه من باب أولى سيرفض ماهو أعلى منها وأكثر ومن ثم وجب الإعتراف بالأمر الواقعي الآخر والذي مفاده وحسب المثل الشعبي الشائع: ((ماينفع في البايد ترقيع !)) .. فالسن إذا نخرها التسوس حتى وصل إلى أصل الأعصاب يكون الحل الأمثل بخلعها والتخلص منها وإستبدالها بسن أخرى أقوى وأجمل وأصح ! .. فماهو هذا (الحد الأدنى) و(الحل الوسط) يا ترى ؟؟!!.
 
هذا ماسنعرضه في الجزء الثالث والأخير من هذه المقاله .. فإلى اللقاء
 
والله ولي التوفيق
 
والسلام عليكم
 
أخوكم المحب : سليم نصر الرقعي
 

(1) هذا الرفض مرهون بالطبع بقوة الضغوطات الداخليه والخارجيه.. ونحن قد أكدنا غير مره أن القذافي سيضطر للقبول بالتنازل عن نظريته أو حتى سلطته حينما تصل هذه الضغوطات إلى النقطه الحرجه التي يشعر عندها بتهديد حقيقي ومحقق لسلطته أو لحياته أو حياة عائلته !
(2) يعتبر القذافي نفسه دائما ً على حق ولم يرد في كلامه وخطاباته مايمكن يدل على أنه يعترف بأنه قد يكون مخطئا ً في هذه المسأله أو تلك وهو قد قال ذات مره (أنا مستعد أن أعدم مجموعه من الليبيين لأني عارف إني على حق) !! .. بل وكان دائما ً حينما يعترف بوجود أخطاء كان إما أن يلصقها بالشعب ككل بالقول (نحن الليبيين فعلنا كذا وكذا وهو خطأ) ! أو يلصقها بمن حوله من الرفاق واللجان الثوريه !

 
 

أرشيف الكاتب

 
 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة