 |

حقول العنف..
إطلالة على مايدور في مدارسنا
أبوبكر البغدادي
|
من إحدى مدارس مصراتة للتعليم المتوسط اشتكى طالب في مركز
الأمن الشعبي من مدرسه الذي عاقبه بالضرب، وعلى الفور تم استدعاء المدرس
وإيقافه تطبيقا للقانون وعملا بنصه، ولسنا بصدد الاعتراض على قانون سنه
المشرع.
من نفس المدرسة وبعد هذه الحادثة بأيام معدودة حصل اعتداء
آخر، ولكنه هذه المرة من طالب حيث تهجم على أستاذه بالسلاح الأبيض، وهدده
بالقتل على مرأى ومسمع كثير ممن حضر، بما فيهم أشقاء عرب، وإلى نفس
المركز اتجه المدرس، وبنفس الشكوى تقدم، لكنه لم يلق الرد نفسه، ولم يتم
إيقاف الطالب ولو لساعة واحدة، فيا أهل القانون، أتؤمنون ببعض الكتاب
وتكفرون ببعض؟.
اليد على الجرح ..
كانت الساعة تقترب من العاشرة حين دخلنا الفصل الذي صدرت
الضوضاء عنه، لنجد أن سبعة وأربعين طالبا داخله، ما بين قاعد وقائم وطائر،
ولا مدرس معهم، أردنا إشعال النور فإذا المصابيح منزوعة من أصلها، وإذا
الخيوط تتدلى في منظر بهيج، ونظرنا للحوائط فإذا منقوش عليها رسومات
شوهاء، تخدش الحياء، وتؤذي البصر، وحين اقتربنا أكثر رأينا على كل مقعد
لوحة مشابهة، ما دفعنا بعد هذه النظرة السريعة إلى التساؤل إن كان ذلك
انعكاس لنفسيات مريضة، فأردنا الاختبار، وبحركة التفافية طلبنا من الطلاب
إبراز إبداعاتهم في الرسم على السبورة، ولم تكن مفاجأة أن يرسم كل من
تقدم للسبورة استعراض عضلات رياضيي المصارعة، ووجوها بأشواك، أو ما أثر
في نفوسهم من أفلام الكرتون المرعبة.
بعد هذا الاستعراض ترسخ لدينا وجود الغبن الدفين داخلهم،
وعزمنا على تعريته كيما يتم علاجه فيما بعد، فنبشنا عليه، وأفرغنا عصارته
على ورق الاستبيان، ماذا تريدون ؟
فتعالت الأصوات:
نريد تخفيف النظام المشدد، وإلغاء النظام العسكري، نريد
معاملة الطلاب سواسية كابن أو كأخ أصغر، (لا تضربوا الطالب كما تضربوا
الحمار!).
نريد تقدير ظروف الطلاب، وعدم حلاقة شعرهم أو التدخل في
قيافتهم، معاملة الطالب بالدرجات بدلا من الضرب، إصلاح الفصول، توفير
دورات المياه، وطالبوا بحصص الرياضة.
في حجرة المدرسين ..
مجموعة من المدرسين كانوا في الحجرة المخصصة لهم، طرحنا
عليهم الموضوع، وسألناهم: لماذا أنتم عنيفون مع الطلاب، تستخدمون العقوبة
الجسدية التي يحرمها القانون، وتتدخلون في قيافتهم، تدخنون وتمنعون عنهم
التدخين، فإلى أي اتجاه تتجهون بهم ؟
تفاعل الموجودون مع الموضوع بجدية، فبدأ الأستاذ محمد دغن
فرثى للحالة التي وصلنا إليها في مدارسنا قائلا: التقصير من المدرسين
أولا، فالتركيز فقط على إكمال المنهج، وعدم متابعة الطالب في المناحي
التربوية، فمنطقه بائس، وقيافته نشاز، وقدوته نجم كرة قدم، أو نجم غناء
وطرب، وهو ما جعلنا نحصد ما زرعنا، فقد زرعنا إهمالا وحصدنا عنفا، وعلى
الصعيد الشخصي، فقد حاولت، ونصحت وشددت، وليس لدي سبيل آخر في ظل
القوانين الحالية.
الأستاذ رعد سعد وهو مدرس عربي الجنسية تداخل معنا هو
الآخر فقال: لم يعد بإمكاننا فعل شيء، صار الطالب أول ما يخرج فترة
الاستراحة يشعل سيجارته، ويرفعها إلى فوق، لكي يراها كل من في الجوار،
وإذا رأى مدرسا في الساحة فهو يحرص كل الحرص أن لا يفوت فرصة استفزازه
بهذا المنظر، ولا يملك المدرس منا إزاء هذا الوضع إلا أن ينسحب متغاضيا،
لأنه يعلم أن ليس بإمكانه فعل شيء.
ويرى الأستاذ عبد الحميد شكلاوون أن البعد عن الدين
الإسلامي وتعليماته السمحة في التربية الصحيحة هو السبب الرئيسي في تردي
مؤسساتنا التعليمية، وعجزها عن وضع الحلول لانحرافات طلابها، والعنف ينجم
في أحيان كثيرة عن عقدة النقص التي زرعناها في أبنائنا، وهو ما يودي بهم
إلى مهاو سحيقة ظنا منهم أنهم تميزوا، وأن ذلك سيغطي جوانب النقص في
شخصياتهم، ويحجب نقاط ضعفهم، وفي رأيي أن المدرس بريء، وإن أخطأ القلة
أحيانا، فإنما هم بشر، ويؤخذون على حسن نواياهم، لأن الأمور حين تخرج عن
نصابها تحتاج إلى متخصص، وقد اختفى الأخصائي الاجتماعي في مدارسنا، وإن
وجد فهو مهمّش، أو مكلف في مهام أخرى إداريّة.
الأستاذ خالد احقيق انفعل وهو يستمع إلينا، وتفاعل مع
الموضوع بقوله إن الأخلاق ذهبت فذهب أصحابها، إن ما يحدث في مدارسنا هو
بسبب تردي أخلاق بعض من نطلق عليهم مجازا اسم طلاب، ولا يمكنهم أن يحملوا
هذه الصفة حقيقة ما لم يتلقوا دورة تأهيل خلقي تبدأ معهم في البيت،
وتواكبهم في الشارع، لتثمر وتزدهر في المدرسة، الأستاذ خالد هنا ليس
متحاملا، فقد عاد إليه هدوءه سريعا، وأخذ يتكلم بموضوعية حين قال: أنا
أوافق أن التناقض ساهم في إرساء هذه الظواهر، فالمدرس يدخن ويمنع التدخين
على الطالب، والمدرس تأتيه مكالمة عبر هاتفه المحمول فيخرج تاركا حصته،
أما إن رن هاتف الطالب فقط فإنه يعاقب وقد يحرم من الحصة، المدرس يمنع
قصّات الشعر الغريبة على الطالب، ويتزين هو بها، ويلبس ما يحلو له، فيما
يقنن لباس الطلاب.
الطلاب طالبوا بإلغاء النظام العسكري (الثكنات) لكن
الأستاذ يوسف سليم من مكتب شؤون الطلبة يؤكد أن النظام العسكري هو العلاج
الوحيد، ذلك أنه الوحيد الذي يقنن العقوبة البدنية، والمقارنة بين
المدارس التي اتخذت من النظام العسكري نهجا ومثيلاتها من المدارس خير
دليل، كما يرى الأستاذ يوسف بحكم عمله واحتكاكه بشكل يومي بأولياء الأمور،
بأن أولياء الأمور لا يمانعون أبدا في إيقاع ما يسمي بالعقوبة البدنية
على أبنائهم، ما لم تكن مبالغا فيها، بل إن بعضهم وقع على بياض بشأن نوع
العقوبة وحجمها.
هل يفعل أولياء الأمور ذلك حتى لا يتم إزعاجهم باستدعاءات
تعطلهم عن مصالحهم، فيتنصلون من مسؤولياتهم في متابعة أبنائهم - وقد يكون
ذلك راجع لضغط الحياة اليومية - نحن لا ندري، لكن الكثيرين يسألوننا
لماذا لانطبق اللوائح على الطلاب، والتي تخلو من عقوبة الضرب ؟ ولا
يعلمون أننا لو فعلنا ذلك لدمرنا الطالب، فاللوائح فيها إيقاف الطالب عن
الدراسة لأسابيع، وفيها فصل الطالب لو تطاول أكثر، وكل ذلك يدفعه للضياع
دفعا، ويدمر مستقبله بشكل مؤلم.
مدرس اللغة الإنجليزية الأستاذ عبد الهادي الزواوي يرى أن
غياب المساحات التي يفرغ فيها الطلاب طاقاتهم الزائدة بشكل سليم يكسبهم
ثقة ويبرز مواهبهم، جعلهم يفرغون هذه الطاقات بشكل مرضيّ، فنجدهم يحطمون
المقاعد والنوافذ، ويتصايحون دون مبرر واضح، ولا شك أن إلغاء التربية
الإسلامية من معاهد التعليم المتوسط خطأ لا يغتفر، والعلاج في نظري أنه
يجب أن نبدأ البداية الصحيحة ، فنغطي النواقص مما سبق ذكره وما لم يذكر،
كتوفير الإنارة والفصول الصالحة للدراسة وليس أشباه الفصول، ثم التحكم في
أعداد الطلاب داخل الفصل الواحد بحيث لا يتعدى العشرين طالبا، ثم تفعيل
دور الأخصائي الاجتماعي، كيما يستطيع تقويم الانحرافات، ثم يجب أن يكون
هناك عقاب للمسيء، ومكافأة للمحسن، والمكافأة تسبق، ولا شك أن الحرمان من
المكافأة في حد ذاته هو نوع من العقوبة.
الأستاذ محمد دغن استأنف الحديث بعد جولة من الاستماع،
فحكى عن مدرسة يتعاون فيها بإعطاء بعض الحصص بها، يقول: تجولت مع أحد
مدرسي هذه المدرسة في الساحة، فأفضيت إليه بما يجول في نفسي من استغراب
أن تكون مدرسة بنات خالية من الخضرة، لما عرف عن الفتيات من اهتمام بهكذا
أمور، وعدم التفريط فيها، فقال: اقترحت الفتيات يوما إحياء حديقة المدرسة،
وتواعدن على ذلك، وشمرن عن سواعدهن، وأعملن جهدهن وعضلاتهن! في تقليب
الأرض في بادرة رائعة، وتجاوبت معهن المدرسة بمدهن بالمعدات، إلا أن
الكلمة الأخيرة آلت للجيران الذي تجاوبوا أيضا، وقاموا بتسريح أغنامهم في
الفترة المسائية إلى داخل المدرسة، ليصبح الصبح وقد صار جهد البنات أثرا
بعد عين.
يا أمانة..
لنستمع هنا لمفارقة أخرى يطرحها الطلاب متى طلب منهم أن
يدفعوا سعر الكتاب المدرسي عن طريق مدرسهم: أعطونا مكافآت العمل الصيفي
لندفع (لكم!) إي والله لقد قال الطلاب ذلك، ومتى طلب منهم دفع اشتراك
اتحاد الطلبة قالوا: وأين هو اتحاد الطلبة إن كان هناك اتحاد حقا، بل
وعبروا عن يقين اعتقادهم بأن هذه الأموال تقسم بين المدرسين، وكل ذلك عن
معاينة شخصية لكاتب هذه السطور.
ألا يكفي هذا ليفرغوا جامّ غضبهم على من ظلمهم – حسب
تقديرهم- فيحطموا زجاج سياراتهم ويقذفونهم بالحجارة من حيث لا يعلمون ؟.
الطلاب هم الضحايا، والمدرسون لا يشكلون الصف الآخر، بل
ربما كانوا ضحايا أيضا، فما بال مسؤول التعليم يطوف على الفصول في إحدى
مدارسنا محرضا الطلاب على نزع عصا كل مدرس يدخل عليهم متسلحا بها، ألا
يعد هذا خرفا فادحا لميثاق الأمانة، أهو الحرص على ألا يضرب الطالب ما
دعاه إلى هذه الحماقة ؟ فيا لها من سقطة إذا.
في مركز الأمن الشعبي ..
حتى رجال الأمن الشعبي المعرضون للإحراجات في حال
الاعتداءات لم ينجرفوا في هكذا مهاوٍ، بل لقد قال الأستاذ عثمان اغميم
مدير مكتب الأمن الشعبي بمؤتمر 9 يوليو إنهم قد تبنوا اقتراح مربي
الأجيال الأستاذ الفاضل محمد جبعور بشأن إنشاء أمن تعليمي داخل المؤسسات،
ورفعت مذكرة بالخصوص، وإن ما نراه من مكاتب الأمن والسلامة داخل الجامعات،
ما هو إلا تطبيق لهذه الفكرة، ولكن الفكرة لم يكتب لها النجاح في مراحل
التعليم الأخرى، وذلك راجع لعدم استجابة من يعنيهم الأمر.
تبنى مساعد مدير المركز الأستاذ مفتاح موسى كلام رئيسه
الذي غادرنا، وأضاف إننا أبناء هذا البلد، ونحس بأهلنا ومجتمعنا قبل أن
نكون أفراد أمن، ومتى توجه إلينا طالب بالشكوى لا يمكننا تجاهل واجبنا
الوظيفي، مع ذلك فإننا نعمل دائما على وأد المشكلة في مهدها، ولعلكم لم
تسمعوا عن مدرس حكم عليه أو تم تحويله للنيابة، كما أود أن أشير إلى أن
الشكاوى المقدمة لا تتجاوز بأي حال أصابع اليد الواحدة في السنة الدراسية،
مع ذلك المشكلة قائمة ومقلقة، ويوجد لدينا مخزون لا بأس به من الأسلحة
البيضاء التي ضبطت مع الطلاب.
في الجامع ترى ما هو حكم العقوبة البدنية من
منظور الشريعة الإسلامية ؟
يجيب عن هذا السؤال الشيخ خليل قرطع فيقول: جاء في الحديث
الصحيح "مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر" ونص الحديث فيه
إذن بالعقوبة البدنية، وقد ورد أيضا الإذن في القرءان الكريم في مواضيع
أخرى مختلفة.
وقد بين لنا العلماء نوعية هذا الضرب، الذي غرضه الإصلاح
والبعد عن المحظور، بحيث لا يكسر عظما ولا يهشم لحما، بمعنى لا يترك أثرا،
فيكون على الأطراف والجسم والابتعاد عن الوجه والرأس.
وقد جاء في الأثر عن معاملة الأبناء: "لاعبه سبعا، وأدبه
سبعا، وصاحبه سبعا، ثم أطلق حبله على غاربه" وذلك يتوافق أيضا مع التربية
الحديثة، ولا شك أن كلمة أدبه تسجل معنى العقوبة البدنية.
كل هذه وجهات نظر، وليس بحثا أكاديميا، وقد لا نصل إلى
نتيجة ما لم تتحرك جهات مختصة لوضع حد لمظاهر الفوضى في مؤسساتنا، قبل أن
يستحيل طريق العودة إلا بأكبر عدد من التضحيات، كأن نضحي بجيل بأكمله،
ولات ساعة مندم.
نقلا عن
موقع جيل
http://www.jeel-libya.info/show_article.php?id=2190§ion=7
|