المشهد السياسي المغربي: أحزاب بلا
جمهور، وانتخابات بلا ناخبين
الصديق أبوالحسن - بي
بي سي، لندن

نحو 6 ملايين ناخب
فقط حددوا
اعضاء
البرلمان المغربي
|
كانت سنة 2007 بالنسبة للمغاربة
سنة انتخابات بامتياز. فقد طغت أجواء الانتخابات التشريعية، مع ما سبقها من
تحضير وما تلاها من تداعيات، على ما سواها من أحداث ربما لكون الدولة راهنت
على هذه المحطة لإبداء المغرب أمام أنظار العالم في صورة البلد المنفتح
ديمقراطياً والمتعدد سياسياً. كما علقت عليها الطبقة السياسية آمالا عريضة
لترسيخ أعراف التداول على السلطة وفرض قطيعة مع مرحلة كانت فيها اتهامات
التزوير والفساد ملازمة لعمليات الاقتراع. إلا أن النتائج جاءت مخيبة لآمال
الجيمع. وإن أقرّ المراقبون بأن الانتخابات مرت بشفافية إجمالا ودون انتهاكات
خطيرة، فإن إقبال الناخبين كان من أضعف النسب في تاريخ التجارب الانتخابية في
المغرب.
وأعلن وزير الداخلية شكيب بن موسى
بعد إغلاق مراكز الاقتراع مساء الجمعة 7 ايلول/ سبتمبر أن نسبة المشارك لن
تتعدى 41 في المائة (مقابل 52 في المائة في العام 2002) علماً بأن عدد
الناخبين المسجلين لا يتجاوز 15,5 مليون شخص في بلد يقارب عدد سكانه ثلاثين
مليون مواطن. وهذا يعني أيضاً أن 6,4 ملايين ناخب فقط هم من حددوا شكل
المؤسسة التشريعية، ناهيك عن أوراق التصويت الملغاة التي ارتفع عددها بشكل
ملفت في الاقتراع الأخير.
وإذا استحضرنا أجواء الاستنفار
التي سبقت الانتخابات والحملة الإعلامية الضخمة التي دعت المغاربة إلى
المشاركة المكثفة فيها، نستخلص أننا أمام كافة أعراض امتناع الأغلبية عن
التصويت ـ إن لم نقل المقاطعة الواعية.
نفور من السياسة... وإقبال على
الجمعيات

حزب
العدالة بزعامة سعد الدين عثماني لم يحقق ما كان يرجوه
|
ومن الملاحظ أنه بموازاة مع إخفاق
الأحزاب السياسية في حشد المثقفين والشباب للعمل في صفوفها، تتعاظم شعبية
المنظمات الأهلية التي مافتئت تجتذب أعداداً متزايدة من الناشطين كلما اتخذت
مبادراتها أشكالا أكثر جرأة. هذه المفارقة تدفعنا إلى التساؤل ما إذا كانت
لامبالاة شرائح واسعة من المجتمع المغربي بالعملية الانتخابية هو تعبير عن
نفور من العمل السياسي وفق النظم التي تواضعت عليها أجهزة الدولة والأحزاب
الرئيسية ولا تبغي عنها بديلا، أم أن الإعراض هو بالفعل عزوف عن السياسة
برمتها. طرحت هذا السؤال على الدكتور إدريس الكريني، الباحث السياسي والأستاذ
في كلية الحقوق بمراكش وكان رأيه أقرب للطرح الأول. يرى الباحث أن الاحزاب
السياسية المغربية في غالبيتها تعيش أزمة حقيقية بفعل "حضورها الباهت" في
حياة المجتمع. ويعزو ذلك إلى كون الأحزاب قد تحولت في جانب منها من مؤسسات
للتأطير السياسي والتنشئة الاجتماعية والتعبير عن المطالب الاجتماعية إلى "
قنوات انتخابية مغلقة تنتج نخباً لا تستحضر سوى مصالحها وتبرر الخطاب
الرائج". وهذا الواقع هو ما أسهم، يضيف إدريس الكريني، في زعزعة الثقة بين
التنظيمات السياسية والجماهير وصولا إلى تنامي ظاهرة العزوف السياسي.
وقد درجت أدبيات النقد السياسي في
المغرب على إلقاء اللائمة على تفشي الأمية والفقر وجهل العامة بتفاصيل
السياسة وانعدام ثقافة الشأن العام وسط المجتمع وانكفاء الأفراد على مصالحهم
الضيقة والمباشرة باعتبارها أسباباً لقلة الإقبال على العمل السياسي في
المغرب. إلا أن هذا الرأي لا يصمد كثيراً أمام مقارنة الوضع الحالي مع حجم
الاقبال الشعبي الكبير على العمل السياسي أثناء سنوات الاستقلال الأولى رغم
أن الحالة الاجتماعية آنذالك لم تكن بأحسن ممّا هي عليه الآن. وربما ذلك هو
ما يحذو بفئة أخرى من الممتبعين إلى توجيه اللوم لمن يفترض فيهم أن يكونوا في
طليعة المهتمين بالشأن العام أي المثقفين. ومن أصحاب هذا الرأي الناشط في
مجال حقوق الانسان عبد السلام أديب الذي وصم المثقفين بالتقاعس واعتبر أن
"المثقف في المغرب أصبح يتسم بالانتهازية ويعتبر نفسه أحسن من الآخرين".
ويضيف أديب ـ وهو رئيس فرع الرباط للجمعية المغربية لحقوق الانسان ـ أن تراجع
دور المثقف يقابله على الجانب الآخر مدٌ جارف لرأس المال الذي بسط سيطرته على
العالم حتى باتت قوانين السوق هي الأقوى وتراجعت مبادئ الالتزام والأخلاق.
ابحث عن الدولة
إلا أن عوامل الضعف الذاتية لا
تبرر لوحدها انحسار نفوذ الأحزاب السياسية وقلة إشعاعها. يرى إدريس الكريني
أنه لا سبيل إلى إنكار دور الدولة في ما وصلت إليه الأحزاب من تردي من خلال
ما نهجته ـ لا سيما عبر أجهزتها الأمنية والإعلامية ـ من سلوك أدى في مرحلة
ما من مراحل التاريخ السياسي في المغرب إلى نفور الناس من العمل السياسي.
وأشار إلى أنه إلى حدود أواخر الثمانينيات كان الانخراط في الأحزاب أو
النقابات يُعتبر من قبيل المحظور أو يدخل ضمن امتيازات النخبة وفقاً للثقافة
التي كانت سائدة آنذاك. وكان طبيعياً أن يخلف تراجع الأحزاب فراغاً ملأته
بشكل طبيعي الهيئات التي نشأت على حطام أشكال التنظيم التقليدية. وهكذا توالت
في السنوات الأخيرة المبادرات الناشئة من أوساط الجمعيات الأهلية والمنظمات
غير الحكومية. وإن كان قانون الحريات يحظر على هذه الهيئات العمل السياسي فإن
السلطات تغض عنها الطرف في الكثير من الأحيان، ممّا مكن هذه الهيئات من تجنيد
شرائح واسعة وراء شعارات لم تعد تخفي طبيعتها السياسية.
وقد نجحت جمعيات الدفاع عن حقوق
العاطلين عن العمل ـ على سبيل المثال ـ في رصّ صفوف هذه الفئة وتكثيف مطالبها
في شكل شعارات سياسية بعد اجتماعات للتعبئة امتدت طويلا قبل أن تتحول إلى
اعتصامات ومظاهرات أمام مقر البرلمان في العاصمة الرباط. وكثيراً ما كانت
تؤول هذه الاعتصامات إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة وإضرابات عن الطعام بل
تطورت في إحدى المرات إلى إقدام بعض المشاركين على محاولة الانتحار وإضرام
النار في أنفسهم. فأين يقف مجال عمل الجمعيات وأين تبدأ السياسية؟ تبدو
الخطوط متداخلة على هذا الصعيد في المغرب.
يقول إدريس الكريني إن هذا الوضع
الاستثنائي هو ما أتاح لبعض الجمعيات تبني مواقف اجتماعية أو سياسية تدخل ضمن
خانة العمل الحزبي أو النقابي. ويرى أن المجتمع المدني حين بدأ يتحرك في هذا
الاطار "اصطدم بواقع صعب تفرضه قلة الإمكانات المادية والإكراهات السياسية
والقانونية التي لا تتيح له الاشتغال بشكل جلي وواضح في هذا المجال." وتبقى
أكثر هذه المبادرات جرأة وأنجحها تنظيماً الاعتصاماتُ والمسيراتُ المناهضة
لغلاء المعيشة التي نظمتها في جهات عدة من المغرب ما أصبح يُعرف بالتنسيقيات
ـ وهو شكل تنظيمي عبارة عن شبكات تغطي مختلف أقاليم البلاد وتنسق بين
الجمعيات والنقابات وبعض الأحزاب الراديكالية. وقد تمكنت في كل مرة من حشد
جمهور يجعل أكبر الأحزاب تتوارى خجلا. بينما يشدّد عبد السلام أديب ـ وهو
أيضاً أحد مؤسسي تنسيقيات مناهضة ارتفاع الأسعار ـ على أن المجتمع المدني لم
يزد على أن واكب نبض الشارع ولم يكن هو المبادر. وقال إن "خروح الجماهير
للاحتجاج على غلاء المعيشة كان عفوياً وكان لابد من الالتحاق بهذه الحركة
بشكل منظم." ويبرّر أديب "التحاق التنسيقيات بنظالات الجماهير العفوية" بغياب
دور الأحزاب السياسية والنقابات العمالية التي أضحت "صامتة وتهيمن عليها
البيروقراطية."
تكامل أم قطيعة ؟
غير أنه من المجحف الجزم بأن
الجمعيات الأهلية تناصب الأحزاب العداء وتسعى للحلول محلها وهي التي استفادت
من تجارب الساسة في تنظيم هياكلها ورسم خططها واجتذبت أعداداً كبيرة منهم بعد
أن أعيتهم بيروقراطية الأحزاب والبون الشاسع بين الخطاب والواقع. بل إن أكبر
الجمعيات والمنظمات في المغرب وأقدمها أنشأها ثلة ٌ من الزعماء السياسيين
وكان يُنظر إليها باعتبارها رافداً من روافد العمل السياسي ووسيلة لتنشئة
الشباب المؤهل للانضمام للأحزاب لاحقاً. ورغم أن جل هذه الهيئات تنعم حالياً
باستقلالية شبه تامة عن الأحزاب، إلا أن هذه القطيعة ليست بائنة في أحيان
كثيرة. ومهما يكن ، فمن الصعب نفي الحراك الفريد الذي أحدثته الجمعيات
الأهلية في السنوات الأخيرة في المغرب إلى حد فرض أجندتها على الأحزاب
والدولة التي أصبحت في دور التابع وتبنت شعاراتها تباعاً. لقد كانت هذه
التنظيمات سباقة لتبني قضايا تغيير "مدونة الأحوال الشخصية" وقضايا المرأة
عموماً ، ورعاية الأطفال وذوي الاحتياجات الخاص ، وتحسين ظروف عيش السجناء،
والتنمية المستدامة وقضايا البيئة... ولا ننسى أن الدولة تبنت مشروع التعويض
المادي والمعنوي لضحايا سنوات القمع السياسي بعد أن وصل به المجتمع المدني
إلى مرحلة متقدمة. ومع ذلك ، يبقى انشغال الجمعيات بهذه الملفات مساعداً لا
مؤسساً و لا تسعفها وسائلها المحدودة على طرحها بالشكل المرضي دون إشراك
الطبقة السياسية.
وينوه إدريس الكريني إلى أن
المقتضيات القانونية والدستورية لا تخول للجمعيات هذه الاختصاصات. وهي حين
"دخلت هذا المجال مرغمة" ، يضيف الباحث ، فلأن المؤسسات المرتبطة بتدبير
الشأن السياسي والاجتماعي ـ أي الأحزاب والنقابات ـ توارت إلى الخلف مما خلف
فراغاً فرض على المجتمع المدني الاضطلاع ببعض أدوارها نظراً لانخراض عدد كبير
من المثقفين والفاعلين في صفوفه وبالتالي تبني مجموعة من المواقف السياسية.
إلا أنه يُحذر من أن العمل الجمعوي، كما يوصف في المغرب، قد يحقق نتائج مؤقتة
في هذا المجال ولكن "لا يمكنه أن يكون بديلا."
وبشكل عام يمكن القول إن هيئات
المجتمع المدني وجدت نفسها في أحيان كثيرة في موقع المزايد على الأحزاب
والدولة والشريك لهما معاً. شريكٌ صغير لكنه سريع الحركة ومزعج إلى حد كبير.
وكما كان ابتعاد الجمعيات والمنظمات المختصة عن السياسة واهتمامها بالتفاصيل
المباشرة سبباً في نجاحها، يُخشى أن تكون للجرعة السياسية المتزايدة في
خطابها تأثير عكسي.
موقع الـ بي بي سي
(العربية)
|