|
في المشهد الليبي:
بين الحراك المتهاوي والركود المتناهي
بقلم: عبدالسلام
أبوخزام - القدس العربي
|
|
إن أول ما يداهم المتأمل في واقع
المشهد الليبي علي جميع الأصعدة، هو ذاك الشعور المتدرج بين التشاؤم
المُفرّط والتفاؤل المفرط، وتغدو الحالة في أغلب الأحيان تراوحاً مترنحاً
صوب الحراك المتهاوي أو الركود المتناهي، وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها أو
تجاهلها ولا تنم عن رضا وقبول جميع العقلاء في الوسط الليبي، ومرد ذلك يعود
إلي العديد من الأمراض والعلل، من أهمها: حالة الجفاء غير المبررة بين
المهتمين بالشأن الثقافي والرصد الفكري من جهة، والواجهات التنفيذية
والسياسية الليبية من جهة أخري، حيث يعاني كلا الطرفين من الضعف والتشرذم،
وغياب الود والتواصل، فالشللية البغيضة، جعلتها تبتعد عن المهام المنوطة
بها، وشغلتها عن أداء واجباتها الأساسية علي اعتبارها طليعة واعية تساهم في
تنمية وتعميق الوعي المعرفي والثقافي والسياسي في المجتمع.
قد يكون هذا الوضع المتردي
انعكاساً حقيقياً للحالة التي تعاني منها التيارات الفكرية والسياسية في
ليبيا، مع الفارق البسيط الذي يسجل لصالح الأخيرة باعتبارها القوة الأكثر
تنظيماً رغم تشظيها وانقسامها بين مجموعات لا مبرر لوجودها والذي تجاوز
عددها كل المقاييس الفكرية والأيديولوجية والسياسية وحتي الأخلاقية.
لا شك أن مسؤولية تردي الوضع
القائم تعود إلي:
أولاً: العقلية الشوفينية لبعض
القيادات البارزة سياسياً وفكرياً التي تناوبت علي التعاطي مع الشأن الليبي
بممارسات نخبوية ومن منطلقات فوقية.
ثانياً: ما تعاني منه الحركة
السياسية الليبية من أزمات بنيوية حادة داخل التيار الواحد من جهة وبين
مجموع التيارات الأخري من جهة ثانية وبين الأطر المؤتلفة الأربع (المثقف،
النظام، الدولة، المجتمع) من جهة ثالثة، بالإضافة إلي الأزمات المضمرة
والمستجدة داخل الإطار الواحد، من دون شك أن رباعية الأزمة تشكل استنزافاً
للطاقة وانتحاراً للذات، وفقداناً لمؤشر بوصلة الحراك الليبي، وتراجعاً عن
ترجمة المشاريع السياسية والثقافية، وتخلفاً عن أداء المهام النضالية لمن
صمد في وجه تيارات الاستعلاء علي مدي العقود الماضية، وتالياً تقديم
التناقض الثانوي علي الأساسي، وهذا ما يؤكده الجدل العقيم والذي لا يخلو عن
الملاسنات أحياناً، في دكاكين السياسة وعلي قارعة الطرق وعلي صفحات النشرات
المنبرية من هذا وذاك، ليبقي المواطن الليبي هو الوحيد خارج لعبة دسترة
المنابر في ضل غياب أو بالأحري تغييب خطاب ومفهوم السيسيو ثقافي، سياسي في
صياغة أي مشروع نهضوي أو تصحيحي.
ثالثاً: الخوف والريبة ـ غير
المبررة ـ بين السياسي والمثقف من جهة، وبين المثقفين أنفسهم من جهة أخري
والخلط بين المفاهيم لدي الجميع، حول الإشكالية ( السياسي/المثقف) وعدم
الفرز الدقيق بين دور ومهام كل منهما؛ فالمثقف يتردد في التعامل الجاد مع
السياسي لخشيته الوقوع في مصيدة التدجين والاستقطاب، وما يترتب علي ذلك من
استحقاقات تحد من حريته وحركته وأمنه الشخصي، بينما يجد السياسي في المثقف
نداً له وانخراطه في العمل السياسي والتنظيمي يعني تهديداً لمكانته داخل
التنظيم وإفلات زمام الأمور من يديه. وهذا الأمر أدي في الآونة الأخيرة إلي
ظهور ما يشبه حالة الزواج العرفي بين بعض المثقفين (الشلة) وبين بعض قيادات
كانت محسوبة علي التيارات الأحادية، والتي ترتبط بعلاقات وثيقة مع أطراف
متنفذة، أي وقوف المثقف إلي جانب المنشق غير البريء مناصراً له وهو خارج
دائرة التنظيم، مقابل مزايا ومنافع خاصة للطرفين وهو شكل آخر من أشكال
التعاون بين رموز السلطة المنتفعة ومثقفيها، فلا يجب أن ننسي أن بعض مدعي
الإصلاح من تيار المنابر أو كما يحلو للبعض تسميته بتيار الغد علي غرار
تيار المستقبل اللبناني، هم أنفسهم من تحسب عليهم ممارسات غير مناسبة وهم
أنفسهم من تبني مواقف مغايرة بعد سرقة أموال الليبيين بالاعتداء علي المال
العام وتهريبه للخارج، بل إن بعضهم يحاول جاهداً حتي الآن سرقة إنجاز تجديد
الطرح وصياغة مشروع المراجعة والتصحيح الوطني التي سعي إليها الليبيون
جميعاً ودون استثناء، بعد أن حسم صراع تصحيح وتنظيف بيت التنظيم الثوري
لغير صالحه أو مصالحه الشخصية، فوجد نفسه منبوذاً خارج صيغ التدافع والحراك
البناء.
رابعاً: في أجواء كهذه يصبح
طبيعياً غياب النقد الموضوعي للأحداث وتختفي المراجعة الدائمة للقرارات
والآراء، ليبدو النقد متوارياً خلف مظاهر الارتباك، محرماً علي المستوي
السياسي، مقيداً علي المستوي الاقتصادي، ذاتي النزعة علي المستوي الثقافي،
والغريب أنه في أحيان كثيرة يبدو مرفوضاً أو في أحسن الأحوال مطعوناً في
شرعيته ومدي مقاربته السوية علي المستوي الاجتماعي، ليأسف الجميع علي وضع
لا يجد فيه النقد والمراجعة مكانهما رغم الإقرار العام بضرورتها لوطن يرغب
في ممارسة الحياة في كل مجالاتها.
لهذا نري الحراك الليبي، لا
يرتقي إلي المستوي المطلوب، وفي هذا الصدد تتبادر إلي الذهن أسئلة مفادها:
من يتحمل مسؤولية التردي السياسي والثقافي والفكري في ليبيا؟ هل هي الحركة
السياسية أم المثقفون داخل الأطر الشللية وخارجها ؟ أم المشتغلون في الحقل
الثقافي والسياسي الراهن ومعظمهم حُشِروا في هذا الفضاء الرحب، وهم يفتقرون
إلي المهنية والخبرة؟ ولماذا لم تتحرر بَعدُ المؤسسات الثقافية والإعلامية
من سطوة الأحادية، وظلت تئن تحت عباءة السياسي، وتسخير هذه المؤسسات ـ إن
وجدت ـ لمقتضياته الفئوية الضيقة؟ ثم إلي متي يستمر الخوف والتوجس والشك
قائماً بين السياسي والمثقف ؟ ألم يحن الوقت أن يعترف الكلّ بالكلّ ويعمل
كل في مجال عمله وتخصصه؟ وفي خضم هذه المعمعة أين يكمن موقع الكتاب
والمثقفين من الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية
والإعلامية المتردية علي الساحة الليبية ؟...
علينا ألا نفقد الأمل، بل نسعي
جميعاً ساسة ومثقفين، الي تصحيح اتجاه البوصلة الليبية، والعمل الجاد علي
إزالة الحواجز التاريخية التي تفصل بيننا، وأبعدتنا عن الفعل الجماهيري
بشقيه السياسي والثقافي، ونبحث معاً في المشتركات التي تجمعنا، وننطلق نحو
بناء علاقة تكاملية مبنية علي الودّ والتواصل والالتقاء لتصحيح الإشكالات
القائمة في عموم المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، بدلاً من
تعميق حالات الخصومة والندية والاغتراب، وبما يخدم قضايانا القومية
والوطنية، والأهم تقديم نموذج متقدم للمجتمع بممارسة ديمقراطية مباشرة
حقيقية، في ظل ما تشهده منطقتنا من مخاض عسير، من الصعب التنبؤ بهيئة
المولود المتمخض عنه.
الليبي ما بين الحلم والواقع
أعترف لكم والحالة هذه بأنني
كلما ركزت بصيرتي علي فهم مقال لكاتب ليبي ما وأين كان توجهه الوطني، يخيل
إلي بأن الكتابة تكاد تكون الساحة الوحيدة التي يلتقي فيها أخوة الوطن علي
امتداده المتصحر، ربما لما تعنيه الكتابة والتفكير في بنية الشخصية الليبية
من اقتفاء لأثر القوافل التي مرت من هنا، هذا إن لم تكن فعلاً الساحة
الوحيدة، أو ربما يبدو لي هذا تأثراً بسرد الجدات والعجائز من أننا شعب
لسان وبيان قلم وقرطاس.
أليست الكتابة وبما تعنيه من رؤي
وآراء في ليبيا، تحلق بنا في مواقع ما بين السماء والأرض، لنترك ولو للحظات
القراءة علي الأرض كل خلافاتنا وملحقاتها وما تحتويه من مشاعر سلبية تصل
إلي حدود التوجس والأنانية التي تأخذنا إلي استشراء أوضاع نحر الواحد منا
الآخر، وبأكثر من وسيلة والتي من ضمنها تغيير الجلد السياسي والفكري حسب
الموجة الطارئة، ثم نقذف بالأمل في الفهم والتفهم والتفاهم إلي السماء حتي
يبقي معلقاً هناك لا نطالعه أو نطاله.
أو ليس المُشاهد هنا، أن الوجوه
السياسية المصنوعة من المصلحة المغرقة في ذاتيتها فرداً أو أسرة أو قبيلة
أو تياراً غير واضح المشروع تقف بالمرصاد لحالة انتشار الأمل بالغد الواعد،
هذه الوجوه الحادة في كل زمن وكل دولة، هي ذاتها التي تعمل في تلك الطاقات
تفتيتاً، حتي يبدو كل إنجاز أو فكرة ليبية تحمل في طياتها نقصاً ما، فلا
المكاسب السياسية تكتمل ولا الاقتصادية ولا الثقافية ولا حتي الاجتماعية،
فهناك علي الدوام في منتصف الطريق أو في نهايته ـ نقص ما، هناك خلل، نفطن
له أو لا نفطن، ولكننا نتعهد للتاريخ بعدم تكراره وبتجاوزه في المرة
القادمة، ولكننا أيضاً لا نفعل، وبتكرار التجربة تصبح هذه الممارسة والتعهد
عادة، والعادة تتحول إلي سمة في نهاية المطاف، إلي أن تتهيأ في وعي الجماعة
والتيار والمجتمع ـ بالتبعية ـ ثقافة عامة.
ويبقي ذاك الأمل بنهضة وطن أو
إصلاح أو تصحيح سمه ما شئت، هذا المدلول أو المعني الذي نلهج به شفاهة
ونسطره تحريراً، لا يلبث يتصاعد إلي السماء غيمة تنتظر ريحاً عاتية تسقطها
علينا مطراً قد يمحو حبر أوراقنا، هنا يعلمنا شمس تبريز عليك بعلم لا
يُذهبه الماء ، أو لا يعني هذا ضرورة الانتباه لمبدأ المراكمة علي التجربة
بالمراجعة واستخلاص النتائج واختزالها في صياغة مشروع المستقبل المجهول حتي
الآن من خلال الطرح الواضح والمعلن بملامحه علي مسارات التدافع والحراك
الشرعي والبناء والمنجِز في واقع المشهد، وبما يستوعب الطاقات المتناثرة من
فكر وعلم وفن، لنعيد صياغتها بما يضمن صيانة دور المواطن، والارتقاء بثقافة
وممارسة اليوم استشرافاً لحضارة الغد المأمول.
الا ينبغي الانتباه الي أن بديل
المواطن الذي لا يكتفي بحمل همه الشخصي ومعاناة المعاش اليومي، بل يتجاوزه
إلي حمل همه فوق هم الوطن فوق هم أخوة الوطن، لينوء بحمله، وليعجز عن
الإنتاج والإبداع والتألق والتصدر، فيعجز أيضاً مرة أخري المجتمع بالتبعية
عن التطور، وليعجز المثقف عن التصحيح والتأثير والنقد الراصد والمراجعة،
وليعجز النظام عن الإفراز الدائم لآليات التشريع التنموي، وأيضاً لتعجز
الدولة عن الإنجاز والتنفيذ، وهكذا، والحالة هذه فإننا نحكم علي أنفسنا
بأنفسنا بالجلوس علي مقاعد محطة قطار العالم الحديث، لنشهد مروره، ليروعنا
صوته المباغت، ليفزعنا من غفلة الجدل العقيم، لنستفيق علي دعك آذاننا
وننتظر القطار التالي علي مقاعد محطةٍ مهجورة ومنزوعة السكة الحديدية،
ولسان حال المواطن يخاطب الجميع، أي بلاهة هذه!!
فهل سمعت بحارس الريح أيها
الغجري،
هذا الذي السماء، تزفر في وجهه،
ترميه بأنينها الداكن، أما الحزن،
استوطن كالسنونو
يعشش في رؤوسنا منذ سنين
ينقر في أعيننا كي يقرحها السهاد
أين أنت أيها العقاب المسافر،
إنا الواقفون نحرس الريح والزمن
ننتظر مرور أسراب النحل حيث رحيق الكلام،
معارج همسٍ علي أجنحة الفراشات، ترشفه شفاه الغرباء
وتظل مربوطاً إلي ظلك المرغم
فابتعد أيها الغجري، عن زفرتي
الريح ستعصف بعظامك الهشة، وترقبني هناك
هناك، بين الأفق والامتداد
حيث تنتظرني ثلوج الرغبة
لأنسج المياه المالحة دموعاً أسكبها أمامك
ابتعد، ابتعد فخيمتي ستحرق القتامة،
لأنصب أوتادها غرساً في لحم الأرض، أُريقه غاراً
علي جبين الذاكرة،
ابتعد أيها الغجري،
لتغسل عيناي وجه الزمن
وليغسل عرقي النازف جلد الوطن.
كاتب من ليبيا
نقلا عن صحيفة القدس العربي |