26/07/2007

 

جناية د. صلاح فضل على أمير الشعراء شوقي!
 
بقلم: جهاد فاضل - موقع الرياض

 
أقل ما يقال في القصائد التي اختارها الناقد المصري الكبير الدكتور صلاح فضل لأمير الشعراء أحمد شوقي والتي ضمها العدد الجديد من (كتاب في جريدة)، أنها لا تقدم صورة وافية عن المنجز الشعري لأمير الشعراء، إن لم نقل أنها لا تقدم سوى صورة منقوصة لا تبرز التجديد الذي اضطلع به شوقي في الشعر العربي المعاصر.تفصيل ذلك أن مختارات الدكتور صلاح فضل من شعر شوقي قد اقتصرت في أكثريتها المطلقة على قصائد كلاسيكية مثل قصيدة نهج البردة وقصيدة النيل وقصيدة نكبة دمشق، رثاء حافظ إبراهيم، مضناك جفاه مرقده، وقصيدة أبي الهول، وسواها من القصائد التي تؤكد مكانة شوقي وقدرته على كتابة قصائد متينة تجاوز بها بلاشك محمود سامي البارودي وشعراء جيله. ولكنها لا تدل أبداً على التجديد الذي اضطلع به في زمانه.. فشوقي ليس مجرد شاعر كلاسيكي وحسب، وإنما هو شاعر رومانسي وجداني مجرد. وهذه الرومانسية الوجدانية في شعره تلتمس بصورة رئىسية في شعره المسرحي بالدرجة الأولى، وهو الشعر الذي كتبه في الحقبة الأخيرة من حياته. ولكن المؤسف أن "الشوقيات المختارة" لا تضم أية قصيدة من قصائد شوقي في مسرحياته، وهو أمر يدعو إلى الاستغراب. فهل يمكن أن تكون أية "مختارات شوقية"، مختارات وافية إن لم تضم قصيدته "جبل التوباد"، أو قصيدته الأخرى "تلفتت ظبية الوادي" أو "سجى الليل" أو "أنا أنطونيو وأنطونيو أنا؟".لقد كان أكثر ما أساء إلى صورة شوقي في تاريخنا الأدبي هو تصويره على أنه مجرد شاعر كلاسيكي، أو مجرد شاعر يمكن الحاقه بلا ندم "بشعراء مصر وبيئاتها في الجيل الماضي".كما حاول عباس محمود العقاد أن يصوره، أو كمجرد شاعر عبارته جاهلية أو مملوكية، كما صوره أدونيس في كتابه عنه، وقد قدم له أىضاً مختارات كما فعل صلاح فضل.والواقع أن شوقي كان كاهناً من كهّان الجمال ومن أكبر العشاق الذين عرفهم الشعر العربي. لكن تكتمه الطبيعي ووظيفته في القصر ومكانته في المجتمع القاهري، كل ذلك منعه من الظهور كما ظهر عمر بن أبي ربيعة قبله، أو كما ظهر علي محمود طه بعده بقليل.. ولكنه شاعر اللوحات الرومانسية الواسعة التي تجمع بين الشاعر والليل والطير والروضة في جو رومانسي مسحور. وغنائياته الرائعة مبثوثة بصورة خاصة في مسرحياته. وهو ما لا نجد له أثراً في "الشوقيات" التي اختارها صلاح فضل.ولعل الذي ضيّق أفق صلاح فضل في الاختيار ومنعه عن أن يقدم صورة وافية أو شبه وافية لشوقي، هو أنه عمد إلى ادراج القصائد التي اختارها كاملة، وهو ما أخذ حيزاً كبيراً من صفحات كتاب في جريدة.. فقصيدة نهج البردة أخذت ست صفحات، وقصيدة أبو الهول أخذت أربع صفحات في حين أنه كان بامكانه أن يقتصر على إيراد أبيات معدودة من هذه القصائد، وسواها، من أجل أن يدرج أبياتاً أخرى من قصائد أخرى، الأمر الذي يتيح تقديم شوقي لقارئ اليوم بصورة أفضل.. ولكنه لجأ إلى الطريق السهل فاختار ما هو شائع لشوقي في الذاكرة العربية، دون أن يكبد نفسه عناء البحث عما قد لا يكون شائعاً كثيراً، أو عما ليس شائعاً أبداً، ولكنه أكثر عمقاً وجالاً.. فإذا كانت قصيدته في رثاء حافظ ابراهيم:قد كنت أوثر أن تقول رثائييا منصف الموتى من الأحياءقصيدة معروفة، فإن أكثرها نظم لا شعر، في حين أن له في باب الرثاء قصائد رائعة تعبر عن لوعة حقيقية، مثل قصيدته في رثاء صديقه عمر لطفي:قفوا بالقبور نسائل عمر متى كانت الأرض مثوى القمر؟ومنها هذه الأبيات:سهرنا قبيل الردى ساعة وما دار ذكر الردى في السمرفقام إلى حفرة هيئت وقمت إلى مثلها تحتفرمددت إليك يدا للوداع ومد يدا للقاء القدرولو أن لي علم ما في غد خبأتك في مقلتي من حذر!ولكن حتى في تقديم مختارات لشوقي في إطار شعره الكلاسيكي، من نوع ما فعله الدكتور صلاح فضل، فإن من غير الممكن اغفال "سينية" شوقي التي يبلغ بها أمير الشعراء مدى فنياً عظيماً، وهي إحدى قصائده الثلاث التي توجته شاعراً عظيماً.. وهذه السينية تصلح للموازنة مع سينية البحتري في ايوان كسرى.. والواقع ان الشوقية تركت البحترية وراءها بمسافة بعيدة، كما يجزم الدكتور زكي مبارك في كتابه (الموازنة في الشعراء).ومن الاساءات التي لحقت بشوقي على يد الناقد المصري الكبير الدكتور صلاح فضل، ابراز شوقي كشاعر مقلد يحاكي القدماء.. وذلك أن قسماً كبيراً من القصائد التي اختارها هي قصائد يحاكي بها شوقي شعراء أقدمين، مثل قصيدته: "مضناك جفاه مرقده"، وكذلك قصيدته: "نهج البردة" وقصيدته "يا نائح الطلح اشباه عوادينا"، التي نظمها في منفاه باسبانيا والتي يحاكي فيها قصيدة ابن زيدون المشهورة:اضحى التنائي بديلاً من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا..هذا مع الاشادة إلى أن لشوقي قصائد عديدة يحاكي بها الشعراء الأقدمين، ولكن عبقريته لا تنهض على هذا النوع من الشعر دون سواه، بل ان اصالته تتبدى في قصائد كلاسيكية كثيرة لا تتوسل هذه المحاكاة.على أن أكثر الاساءات التي لحقت بشوقي على يد الدكتور صلاح سجن شوقي في إطار القصائد الكلاسيكية وعدم تمكينه من ابراز صور أخرى له مثل شعر الطبيعة التي تحتل مكانة هامة عنده، وكذلك الشعر الملحمي.. ولا ننسى أىضاً تلك "الحكايات" التي نظمها وأدارها على ألسنة الطير والحيوان وهي حكايات رمزية في منتهى الأهمية تبث رسائل سياسية واجتماعية وأخلاقية آثر شوقي ارسالها على هذا النحو، وهو غير ديوان الأطفال الذي رمى به شوقي إلى تسلية وتثقيف هذا القطاع من المجتمع، بينما هذه "الحكايات" وهي سخرية سياسية واجتماعية وأخلاقية مصوغة رمزاً.. وقد كان بامكان الدكتور صلاح أن يقدم ولو قصيدة واحدة عن هذه "الحكايات" الجميلة التي تصلح لكل زمان ومكان وتؤكد مثل قصيدته: "وقف الهدهد في باب سليمان".وليس في مختارات الدكتور صلاح فضل أية قصيدة تشير إلى جوانب أخرى في العبقرية الشوقية مثل شعر الطبيعة.. لقد جعل شوقي الطبيعة موحى الشاعر أو مستلهمه عندما أعلن في مقدمته للشوقيات الأولى ان محراب الشاعر ليس "القصر"، ولكن "الكون" من أرضه إلى سمائه.ثم أضاف إلى هذا القول الجريء أقوالاً أخرى أصبحت مأثورة عنه في أشكال مختلفة وجوهر واحد، مفادها ان الشعر ابن أبوين: الطبيعة والتاريخ.. وكون شوقي شامل مستوعب نظم في قبته السماوية وعرج على ما بين السماء والأرض، ثم أعاد ممالك الطير والحيوان والنبات، أي الطبيعة الحية، عنايته. وانتهى إلى الطبيعة الأرضية: الطبيعة الكامنة، من جبال وسهول ورياض وبحار، ونظم في هذا كله.ولكن ما العمل وقد آثر الدكتور صلاح فضل منهج ادراج المطولات الكلاسيكية، بقضها وقضيضها، بشعرها الجيد وبالنظم الذي تضمنه في أكثر الأحيان، وعرف عن اعتماد مبدأ اختيار أبيات معينة تمثل بيت القصيد.. ولو انه لجأ إلى هذا المبدأ الأخير لقدم صورة أخرى مختلفة تماماً لشوقي، صوراً تتيح له استعادة شخصيته الشعرية الحقيقية كمجرد كبير له فضل الريادة في مجالات شعرية عديدة.. وبذلك كان بامكان أمير الشعراء في حمّى التشوهات التي يشهدها الشعر العربي اليوم، أن يستعيد نفوذه الحقيقي كمجدد كبير، بل كامام المجددين في عصره.
 
* نقلا عن موقع الرياض (جريدة الرياض اليومية)

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com