19/04/2007

      


 
 بيان في النور... وبيان في الظلام
 
بقلم: ادريس ابن الطيب

 
عندما صدر البيان الموجه الى "لجنة دراسة اوضاع الصحافة" التي تم تشكيلها مؤخرا كان من المتوقع ان يجري حوله حوار جاد و هادئ ورصين و علني ,وان يجري الحوار حول " الفكرة " التي طرحها بحيث يتم أثراؤها و تعميق فهمها والبحث عن الحلول التي تحتاجها صحافتنا لتصبح صحافة حقيقية تخدم الناس.
 
ولأن البيان كان علنيا و في وضح النهار و موقع بالأسماء مما يخرجه من دائرة اية شبهة,فلم يكن متوقعا ان تخرج كل هذه التفسيرات والتأويلات و التخوينات لهذا البيان و الموقعين عليه لسبب بسيط هو أنه كون التوقيع عليه كان مفتوحا للجميع فأن ذلك يؤكد ان هذا المطلب وهو اصلاح حال الصحافة ليس مطلبا مقصورا على الصحفيين او الكتاب او النقاد ,بل ان من مصلحة الجميع – سواء كانوا صحافيين او قراء او تجارا او فنيي معامل – ان تكون الصحافة حيوية و حية و قادرة على التوجه الى مشاكل الناس الحقيقية والتعبير عن همومهم .ان وجود صحافة حقيقية يصب في مصلحة كافة المواطنين دون استثناء. كما ان كون التوقيع مفتوح لكافة المواطنين يهدف الى دفع الناس الى المشاركة في الحوار حول هذه المسألة و تشجيعهم على قول آرائهم, وهو الأمر الذي كان يجب ان تقوم به الصحافة التي ندعو اليها, خاصة و ان الهدف الوحيد من هذا البيان هو الرغبة في دفع عجلة اصلاح الصحافة الى ما بعد الاصلاح الهيكلي الفي والتقني الى تطوير الخطاب الاعلامي من خطاب الهتاف الى خطاب التأمل والتحليل.
 
اضافة الى ذلك, فان هذا البيان ليس بيانا للمعارضة السياسية كما حاول البعض – مغرضا – ان يفسره وليست له اية اجندة سياسية خفية او ظاهرة, انه مطلب عام من اجل تقييم اوضاعنا و تجاوز المختنقات التي قد تعوق تقدم وطننا في اطار التزامنا جميعا بثوابتنا الوطنية فنحن – احفاد الشهداء – لا يمكن لأحد ان يزايد على مدى حبنا لهذا الوطن و استعدادنا للتضحية من اجله.
 
ان هذا الضجيج والتأويلات الأمنية لهذا البيان لا يصب مطلقا في مصلحة الوطن , فلا يمكن لبيان رصين كهذا ان يؤثر سلبا في امن الوطن الذي لا نسمح بالمساس به, ووجود اسم هنا أو هناك لا يعني مطلقا ارتهان الموقعين عليه الى اية جهة خارجية, فالبيان لم يذهب الى أجندة احد, لكن الآخرين هم الذين جاءوا اليه ,كما ان مبدا العلنية في طرح الموضوع و بالأسماء يمثل نقطة لصالح الموقعين وليست ضدهم, اما امكانية ان يحاول البعض في الخارج ان يوظف هذا البيان لأهدافه الخاصة فهذا امر وارد دون شك, و لكن هذا لا يدعونا مطلقا الى التخلى عن الهدف الوطني في اصلاح اوضاع الصحافة لمجرد ان احدهم وقع معك صادقا ام كاذبا.
 
الانسحاب من التوقيع على البيان حق للجميع مثله مثل التوقيع نحترمه و نقبله, لكن محاولة تسييس هذا الانسحاب بالادعاء بان هناك تنظيما في الداخل او الخارج يحاول التسييس المشهد الثقافي فهى وشاية كاذبة اذ لا يمكن لهؤلاء الموقعين بأسمائهم ان يكونوا تنظيما سريا ولا علنيا. وليس ثمة ما يجمعهم سوى هذه الفكرة.
 
اما القول بانه منشور في "الموقع الالكترونية المعادية للنظام" فالواقع ان هذا هو لب المشكلة فمعظم الكتاب الذين وقعوا او الذين انسحبوا لم يكتبوا الا في هذه المواقع ولم يعرفوا الا عبرها, مما يؤكد قولنا بأنه لا وجود لصحافة حقيقية في الداخل يمكن ان تستوعب الكتاب, ناهيك عن ان هذا البيان قد تم ارساله الى وكالة الجماهيرية للانباء و صحيفتي الجماهيرية والشمس والى موقع اللجنة الشعبية العامة, و لم تقم اى من الصحف المذكورة بلاشارة اليه, فليس ثمة أي منبر هنا يمكن استخدامه لمناقشة هذه المشكلة الهامة.
 
ولكن الاصطياد في الماء العكر قد بدأ عندما اصدرت مجموعة (مجهولة) "بيانا غامضا" (ولكم ان تلاحظوا التناقض بين الكلمتين: بيان-غامض) غفلا من أي توقيع في محاولة للرد على بيان الصحافة مستخدما لغة اقل ما يقال فيها انها وقحة و مزايدة تخلط الامور وتستعدى الدولة على المثقفين الموقعين على البيان مرة بوصفهم "بالسذج" ومرة "المغرر بهم" ومرة بكونه "سابقة مشينة" ومرة بأنهم "وقعوا في فخاخ الانتقائية المفرطة التي نصبها اصحاب سوابق وحسابات خاطئة" ومرة اخرى بوصفه "بالعمل الانتهازي", ومرة اخرى يوصفه "بالدعوات المستوردة فكريا والتي تمس ثوابت البلاد وحرماتها ومقدساتها وتراثها وثقافتها" ولو كان لأصحاب هذا البيان ذرة الشجاعة لوقعوا بأسمائهم على ما يقولون حتى يتسنى لي ان ارفع قضية قذف وتشهير في حقهم امام القانون, بل اننى يمكنني حتى ان امارس الشتيمة في حقهم –فيما لو كانت هذه لغتي – دون ان يطالني القانون, فهم مجرد اشباح يتحركون في الظلام والقانون لا يتعامل مع الاشباح.
 
ان هذا البيان القادم من جوف الظلام ليس بيانا يهتم بالحوار حول الفكرة بل هو بيان للرد على البيان دون تحمل مسؤولية التوقيع عليه والحوار حول الموضوع, لكن الحوار الجاد بأسلوبه وآلياته لا يتم الا بين اشخاص بأسمائهم في اجواء العلن و الشفافية.
 
ان المزايدة بالحديث عن "حرمات ليبيا اولا" يتضمن الاتهام بالاعتداء على هذه الحرمات في حين لم يحددوا ما هي هذه الحرمات, و كيف تم الاعتداء عليها, كما ان القول بأن ما ورد في بيان الصحافة ليس سوى تلخيص لبعض افكار المهندس سيف الاسلام معمر القذافي امر لا يضر البيان اطلاقا, رغم ان مسألة الصحافة هي هم عام تم التطرق اليه من قبل الكثير من الكتاب في الداخل منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما, وعقدت ندوة حول اشكاليات الصحافة واصدرت توصيات بالخصوص, فالمهم ليس من قال اولا, و لكن المهم ان تتكاتف الجهود من اجل القيام بفعل حقيقي في هذا الاتجاه.
 
كنا نتمنى من هذه المواقع التي تسمى نفسها "اصلاحية" ان تبادرها بنشر البيان و ادارة الحوار حوله و قطع الطريق على اية محاولة لأستغلاله بدلا من الانتظار حتى مجئ الايعاز بالرد عليه في لغة لا تتسم بأي اصلاح.
 
ان الدعوة الى عقد مؤتمر عام يجري فيه النقاش في العلن وتحت الشمس للمشكلات التي تعاني منها الصحافة هدف وطني لا نعتقد ان اثنين يختلفان حوله, بحيث يمكننا ان نناقش بكل عقلانية ما نوع الصحافة التي نريدها. واذا كان هناك أحد ما يعتقد ان لدينا صحافة مزدهرة الأن فليغامر باقناعنا بذلك.
 
ليس ثمة أي بلد في العالم يخلو من المشاكل ولكن هناك نوعان من البلدان:نوع يطرح المشكلة للعلن ويناقشها ويتوصل الى الحلول لها, ونوع يخفيها تحت الحصيرة الى ان تفوح الرائحة, ونحن في هذا الوطن ليس لدينا أي سبب في اخفاء مشاكلنا, بل ان لدينا الشجاعة لمواجهتها و الثقة في ايجاد حلول لها.
 
انني لا استطيع ان اشكك في دوافع أي شخص وقع على هذا البيان سواء كان من الداخل او من الخارج بل ان دوافعه – في المحصلة – لا تعنيني, وانما يعنيني صحة المطلب ومدى اهميته وضرورته.
 
وقد يعتقد البعض ان فكرة البيان اصلا فكرة غير صائبة و انه كان يجب ان يرسل الى اللجنة في ظرف مغلق, وهذا اجتهاد مثله مثل فكرة البيان ذاتها, والتي نتمنى – بل ونعتقد – انها افادت موضوعة اصلاح الصحافة ولم تضرها, ولم تكن "محاوله عرقلة و تضليل سمجة للتحولات الكبيرة في الشأن الحقوقي والاعلامي" كما تقول جماعة بيان الظلام لآن المثقفين الشرفاء "اصحاب السوابق" ليس لديهم ما يخفونه ولا يهمهم تحقيق مكاسب شخصية على حساب قضايا الوطن الذي نقدسه ولا يمكن ان نفرط فيه مهما كانت المزايدات و التهديدات. والقول بان هناك من تم التغرير به أو زج باسمه دون ارادته هو أتفه من أن يرد عليه لانه افتئات على خيارات الناس ومواقفهم.
 
واخيرا... اننا لازلنا نأمل ان نكون قد وفقنا في تقديم النصيحة والمشورة لهذه اللجنة التي نعول كثيرا على نتائج اعمالها والتي نتمنى لها التوفيق من اجل وطننا ومستقبل اجيالنا القادمة.
 
والله من وراء القصد.
 
ادريس ابن الطيب
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
libyaalmostakbal@yahoo.com