05/12/04
|
د/ جاب الله موسى حسن
القذافى يطارد ليبيي الشتات!!
لم يكن عدد اللاجئين والمهاجرين الليبيين أو المنفيين في العهد الملكي ليتجاوز بضع عشرات، كما أنهم تركوا ورائهم مجتمعا متماسكا لحد كبير،أسر،وأقارب، وأصدقاء، تشدهم لحمة العلاقات الاجتماعية والإنسانية ، ومراتب اجتماعية متوسطة ذات رفاه نسبي، برغم تعاسة أكثرية المواطنين، أما اليوم فإن عدد المغتربين واللاجئين يتجاوز مئات الآلاف ، والوطن مثخن بالجراح، والمجتمع يتآكل نسيجه الاجتماعي والأخلاقي، والمواطن يتأقزم ، والجرائم في ازدهار! والفساد ضارب الإطناب في كل المفاصل!!
في المهاجر تتساقط الأسر الليبية شهيدة البحث عن ملجأ: العشرات يموتون هماً، وكمداً، ومعاناة نفسية، لما حل بشعبهم وأقاربهم وبهم،ومن بين هؤلاء السياسي المخلص، والمثقف المبرز، والمواطنون الشرفاء غير المسيسين، ومن مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية . وعدا الموتى فإن الأكثرية الليبية في المهجر محاصرة ،إما بأنواع التضييق الإجرائي، أو بصعوبات العيش، وذلك بخلاف ما يتوهمة أو ما يدعي توهمه رجالات نظام سرت البغاء اللذين لا يكفون من وقت إلى أخر عن التحامل عليهم، وشتمهم ،ولصق مختلف الاتهامات بهم. أنها تهم يفبركها ويروجها أناس لا يهمهم لا مصير الوطن ولا حياة الإنسان، وإذا كان من المغتربين من يرتزقون ،على حساب شعبهم ،فإن الأكثرية الساحقة من المثقفين الليبيين المغتربين تعاني من صعوبات الحياة، إلا أن لعنة الاتهامات ، واحتراباتها ، ومناوراتها البائسة تأبى إلا ملاحقتهم بلجاجة وإصرار ،بل حتى بعد الموت! فمن موتانا في المهاجر من لا ينجون من اللعنة الاتهامات، فهذا سياسي راحل يوصي بدفنه في وطنه بجوار أمه، ولكن جماعته ترفض بحجة أن في ذلك تزكية للنظام! والآخر يوصي بأخذ الثأر من النظام ولكنه يتحول ، إلى محور للمنافسة والصراع السياسيين، حتى كأن الميت مناّ يظل لعبة الجماعة وبضاعتها وملكيتها وتصادر رغباته وإرادته في بازار السياسات والسياسات المضادة!!
ماذا يا ترى حل بنا وبليبيا الوطن ؟ ولماذا؟ أليس هي ليبيا التي كانت في نضالها مثالا ؟ أليست ليبيا في عهد الملكية منارة وبداية نحو الحضارة ،أليست ليبيا تفاعلت فيها كل الشرائح والثقافات!! كيف يتحول ذلك الوطن المتفتح تركيبا وفكرا وثقافة ،إلى درب الانغلاق ، والتناحر، والشك المتبادل، والحقد المستعر ؟!! وكيف تأتيّ لمعظم مواطنيه ومنهم الأدباء والعلماء والمفكرون، أن يفكروا بالهجرة عنه، وهو الذي اخلصوا له وأحبوه حتى النخاع؟! وكيف نرى بلد الخيرات يتحول إلى واحد من بين أفقر البلدان؟ وأن يتصارع أهله يوميا من أجل الوقوف في طابور السلع التموينية ، وأن يستتب الفساد في ربوعه، وأن يضطر مواطنوه، من العلماء وحتى البسطاء ، إلى بيع أثاثهم، و أحيانا كرامتهم لقاء حفنة نقود؟!! والسؤال الملح الذي يدور في أذهان معظم أن لم يكن كل الليبيين المتواجدين على الساحة الأمريكية هذه الأيام هو:لماذا يقوم عملاء القذافى من أمثال الصديق لجعراني ومن هم على شاكلته بمحاولة شراء ذمم بعض الليبيين نظير رجوعهم إلى جماهيرية الشر ؟!! أن المسئول الأول يا جعراني هو بالطبع،ذلك النظام القمعي الذي تمثلة, نظام فقد جميع مبرراته وشرعيته، ولم يكفل بقائه واستمرار إلا مقدرات شعبنا النفطية ، لكي يحاصر شعبنا ويجوع أهلنا ، ومتعمداً فوق هذا وذاك أنهاك المواطن الليبي وتغييب عقله، ومحاولة تحويله إلى مجرد آلة صماء تبحث عن وسيلة للبقاء وأي بقاء !! وأمريكا يا جعراني تجد في الوضع الحالي أفضل ما هو ممكن ما دامت تفرض إرادتها كاملة, وفق نظرية شراء الخسران ،. ومادامت تخوف باسم الإرهاب الدولي المتمثل في النظام الذي تمثلة بعض الجيران لابتزازهم ولفرض صفقات التسلح عليهم، ولإدامة نظام القذافى وهيمنته على شعبنا المقهور. أنها لعنة الإرهاب التي يعاني منها الليبيين الأمرين، وفى كل مكان . والليبي المغترب يدفع ضريبة هذه اللعنة في عيشة، ومعنوياته، وحتى عندما يموت!! إلى درجة صار الإعلام الغربي يساوي بين كل ليبي ونظامه وهذا ما يفعله إعلامنا الرسمي أيضا، وأية مفارقة تلفت النظر!!،هل تعلم يا جعراني أن الكثيرين من المغتربين صار يُنظر إليهم بخوف وريبة، ويعاملون بتضييق. وما كان لكاتب هذه السطور، مثلا، الذي قضى في ليبيا سنوات طوالاً وفى منصب محترم ولكن في دولة لم تحترم نفسها ولا شعبها، بل صادرت الحريات وانتهكت الكرمات لم يجد بعد هروبه من الوطن السليب عملاً ينفق من خلاله على أسرته وذلك لمجرد كونه ليبي،حتى اضطر إلى التحايل بأن نسب نفسه إلى بلد عربي أخر معروف بالاعتدال والعقلانية!!
ولكن النظام الذي تمثلة يا جعراني ينظر للأمور بعين واحدة . فهناك ممارسات الحكم وسياساته الغير عقلانية سواء في مغامراته الإرهابية والتي ندفع ثمنها ألان من قوت أطفالنا وفق نظرية شراء الخسران ومهندسها شكري غانم - وهو ليس بغانم- ,أو في كيفية التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان، أو في الإصرار على نهج الكبت والانغلاق. و تصلنا أخبار مفجعة من الوطن الأسير وبشكل يومي، عن اضطرار المئات من أطفال مدارسنا للجلوس على الأرض في الصفوف الدراسية، بينما تزمع أنت ومعك بعض الأفاقين على شراء ذمم بعض الليبيين المتواجدين على الساحة الأمريكية بهدف تلميع نظام سرت الشر!! تقومون بحجز الفنادق باهظة التكاليف بهدف شراء من قمتم ببيعهم في سوق النخاسة!! خزعبلات وشراء ذمم لا يقدم على أقامتها غير بلد لا يعاني من مشكلة، فكيف وليبيا ونظامها يضرب به المثل في القمع وانتهاك حقوق الإنسان وشعبها مطحون ومفجوع تقوم بتبذير هذه الأموال ؟!
إن مئات الملايين تصرف وصرفت خلال سنوات الحصار لبناء القاعات الضخمة والمباني الرمزية باسم التحدي والتصدي!مثل قاعة "وقاد وجوا" في سرت يقال أنها تتسع لمئات فيما يتضور الليبيون من سوء التغذية وندرة الدواء، وتعاني المستشفيات والمباني المدرسية من ألف صداع وتصديع،فأين المنطق في هذا يا جعراني؟! فبموازاة ذلك تقوم اللجان الثورية بمصادرة كل صحيفة أو كتاب يحملهما معه المواطن لدى زيارته أو عودته لليبيا، أو لدى خروجه للسفر. فلماذا؟ ولصالح أي تنوير أو أي صحافة حرة يتحدث عنها سيف الزيف؟!! علما بأن الأحداث قد برهنت على أن جميع أسرار النظام كانت مكشوفة ولا تزال وعارية للقاصي والداني، وعلماً ، أيضا ، بأن الأخبار تنتشر من أنحاء العالم عبر الإذاعات وبرغم كل القيود الإعلامية، ومصادرة الكتب والمجلات وتعريض أصحابها إلى أقسى العقوبات.فأين الحكمة والواقعية يا جعراني في كل هذه الممارسات؟ أنها أسئلة تظل تراود الليبي داخلا وخارجاً، والدوامة مستمرة ،والمأساة دائمة!! د/ جاب الله موسى حسن |
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()