منتدى القراء


30 نوفمبر 2004


عيسى عبدالقيوم


 

  فى ضيافة مخضرم 

 

 

المسعودي يتوسط  الصورة .. وعلى يمينه  حسن الأمين .

 

 

إنطلقت فجرا صوب مطار ليفربول .. والوجهة هذه المرة كانت سويسرا .. دخلت المطار وسط إنسياب طبيعي سلس لسيل مختلط من البشر يجمعهم فقط إسم القارة التى يقطنونها.. إنسياب يذكرك بأن الوحدة العربية أكذوبة كبرى (1) وسط الرفس والدهس والتضييق الذى تمارسه قبائل بني يعرب على بعضها البعض .

 

على أي حال وصلنا الى بوابة الفحص عندهم ( = الأمن عندنا ) وهنا ما عليك إلا ان تبتسم وأنت ترفع جواز سفرك وهو مفتوحا على الصفحة التى تظهر صورتك لاغير؛ فيقابلك الموظف بإبتسامة وعبارة ترحيب ؛ وهكذا تنجز أعمال طائرة كاملة دون أن تهدر كرامة إنسان واحد.

 

عموما تتابعت الخطى وولجنا الى الطائرة وكان مقعدي بجوار عجوز أتصور من ملامحها أنها ألمانية المنبت .. نظرت اليّ بوجه لا يحمل أي تباشير ( لا خير ، لا شر !! ).. إبتسمت وأنا أراها تخرج كتابا من حقيبتها لعله كتاب مقدس حاولت أن تقرأ منه شيئا يشبه الفاتحة ! على إعتبار أني ذو ملامح شرق أوسطية .. وبركات 11 سبتمبر لا تزال بادية للأذهان .. كتمت إبتسامتي وأخرجت أنا أيضا كتابي وحاولت أن أطوي الوقت بالقراءة .

 

فى المحصلة كانت الرحلة هادئة وحطت الطائرة بسلام على أرض مطار " جنيف " .. وتنفست جارتي الصعداء .. حاولت أن أمازحها فكانت محاولة فاشلة لإختلاف وسائل الإتصال ؛ ففيما كنت أحاول أن أشرح لها يسر الرحلة بما جادت به قريحتي الإنجليزية ، كانت هي تقول كلاما لم أفهم منه شيئا .. وعندما لم أستطع أن أحدد من هو الأطرش فى هذه الزفة !! إنسحبت من المولد بحجة إخراج حقيبتي من الصندوق العلوي المخصص للحقائب اليدوية .

 

 على أي حال غادرت الى حيث باب الخروج وكان فى إنتظاري صديقنا الذى ربطتنا به علاقة حميمة عبر أسلاك الإنترنت و مكبرات صوته لا غير .. صاحب غرفة المجد .. خالد المصراتي .. وبكل صدق فقد كنت ـ رغم تنبيه الأستاذ محمود الناكوع لي ذات يوم بأن الإنترنت قد يعطي إنطباعا خاطئا عن الشخص الذى تسمع له أو تقرأ دون أن تعرف شخصه ـ  أقول رغم ذلك كنت قد رسمت لصديقي خالد صورة أعترف بأنها مختلفة تماما عن الشخصية التى رأيت .. وبعد السلامات  تحولت برفقة خالد من ضيف كان منتظر الوصول الى مستقبل لضيف قادم .. لان الرحلة كانت لشخصين .. ففي الوقت الذى إنطلقت فيه أنا من ليفربول .. إنطلق صديقنا حسن الأمين مشرف قناة ليبيا المستقبل من لندن .. ووصل هو الأخر بسلامة الله .. وغادرنا جميعا من " جنيف " الى ضواحي " بيل " أين يسكن خالد المصراتي .

 

وبعد راحة قصيرة تعرفنا فيها على صديق جديد هو " ابراهيم " الإبن الوحيد لخالد ؛ أطل علينا صاحب الوجه البشوش الذى طالما إرتاحت النفس الى سماع صوته عبر مكرفونات جهاز الكمبيوتر .. إنه الحاج عبدالوهاب الهلالي ( البحر) .. ودخلنا فى موجة من السلامات و المراحب التى لم تخلو من التعليقات .

 

وكان برفقة الحاج علبة ( مجهول الهوية ) .. وما هي إلا لحظات حتى فتح تلك العلبة فكانت أشبه بصندوق العجائب .. كانت تحوي بعض المقتنيات القديمة التى أتصور أنها قد إنقرضت الأن .. من بينها " صندوق كبريت ليبي " قديم جدا .. ومجموعة من الصور النادرة بعضها يحكي قصة المكان ( بنغازي ) وبعضها الأخر يحكي جزءا من تاريخ الحاج عبدالوهاب البري والبحري .. ثم سمعنا صوتا لا تخطئه الأذن مهما كانت درجات الضعف فيها .. إنه صوت العزيز شعبان معيو ( فرج ) الذى لاتزال طريقة ترحيبه المتكررة على فترات زمنية متقطعة تشعرك بأصالة " عيال البلاد" (2) .

ثم حضر الأخ الذى يعرف على البال توك بإسم ( بوعصيدة ) .. وكانت ليلة رائعة فتحنا فيها ـ على رأي الأستاذ محمد بويصير ـ مائدة مستديرة ناقشنا من خلالها كل شيء تقريبا.. ورغم وجود " 3 أدمن "( حسن وخالد وفرج ) لم تستعمل النقاط الحمراء .. ولا إحتجنا لتفعيل مبدأ رفع الأيدي .. ولا لأسماء مستعارة .. ولم نحتج لطرد أحد لأن الجو الأخوي كان سيد الموقف .. ولأن السهرة بدأت عقب غداء دسم .. وختمت بعشاء حرصت أم إبراهيم ـ مشكورة ـ على أن يكون فى توقيت ليبي دقيق .. فغابت بذلك كل المنغصات . 

 

وفى صباح اليوم الثاني غادرنا " بيل " فى إتجاه ضواحي مدينة " لوزان" .. ووقفنا خلال الرحلة على عدة مناطق جبلية روعة فى الجمال .. لا أتصور أن هناك كلمات تفي بوصفها .. وعلى عدة بحيرات ساحرة متلفعة بطبقة من الضباب الذى أضفى عليها هالة من الغموض الأسطوري .. ولا تستطيع أن تخفي إعجابك بفن العمارة  المفعم بالحيوية و لمسات الذوق الرفيع التى صاحبت بناءه .. خاصة إذا كنت مثلي ممن يعيشون فى بريطانيا ذات الطابع المعماري الأحادي الشكل واللون " فكتورين إستايل ".. وحتما ستردد أيات الثناء ـ وستستذكر حكاية الخطة الخمسية وقوانين الثورة الزراعية ـ وأنت تشاهد المزارع الممتدة بنظام وأناقة على جانبي الطريق .. ويقينا ستتذكر مصطلح " صباح الخير أول جماهيرية " وأنت تشاهد الوجوه الصبوحة حقا وهي تتحرك على الطرقات .. وأي مقارنة ستثير فى نفسك من الأوجاع ما أنت فى غنى عنه.. خاصة إذا كنت مثلي زائر أشبعته الغربة نكدا .. ومزقت أخبار الفضائية الليبية كبده .

 

على أي حال قبل أن نصل الى محطتنا النهائية فى ضواحي لوزان كان لنا وقفة قصيرة سعدنا فيها بلقاء الصديق أسعد العقيلي .. وهو بحق يحمل كل مواصفات " عيال التوريلي " .. التى تستطيع ان تميزها من مشيته وطريقة كلامه .. وقد راهنت على هذه المواصفات عند رؤيتي لشخص يتحرك بين الناس .. وكان بالفعل هو .. جمعتنا جلسة لطيفة فى أحد مقاهي منطقة " فيفي " تجاذبنا خلالها أطراف الحديث .. وبعد صلاة الظهر غادرنا الى محطتنا الأخيرة.. والتى كانت بيت الأستاذ فاضل المسعودي فى ضاحية من ضواحي " لوزان " .

 

وصلنا أخيرا أنا وحسن الأمين وخالد المصراتي الى بيت الأستاذ فاضل .. وبعد الترحيب .. والتعارف .. بدأ الكلام  يأخذ طابع العمق والجدية والمباشرة دون أي مقدمات كبيرة .. غصنا فى التاريخ السياسي البعيد والقريب .. وبعد فترة توقفنا فيها لشرب كوب من الشاي الأخضر الذى تطوع صديقنا خالد لتجهيزه .. عرضنا على الأستاذ / فاضل أن يكون اللقاء مسجلا بالفيديو بدلا من لقاء مكتوب .. وبعد إلحاح وافق على الفكرة .. وشرعنا فى التصوير لمدة زادت عن الساعة والنصف .. وهو لقاء جرى بالتنسيق بين " قناة ليبيا المستقبل " و " مجلة الحقيقة " .

 

 

ومن خلال الحديث مع الأستاذ فاضل  ـ وهو على أي حال الحديث الأول وقد لا يسعف لإكتشاف كل خبايا شخصية ذات تاريخ طويل ـ تبين لي أنه شخصية مثقفة جدا .. وعلى درجة عالية من الذكاء .. ولا زال يتمتع بذاكرة حديدية .. ولم تغادره روح الشباب .. ويحمل بين جنبيه نفسا مفعمة بالوطنية قد تكون وراء الإجتهادات التى مارسها خلال مسيرته .. وكذلك لمست فيه خصلة ـ للأسف ـ لم تشتهر بها الشخصية الليبية ؛ ألا وهي القدرة ـ بل والحرص ـ على شكر الأخرين .. فما أكاد أذكر له إسما حتى يتبعه بسيل من مآثر وأعمال تلك الشخصية .. وفى بعضها كان يذكرني بأنه رغم ما بينهم من جفوة ونحو ذلك .. وأيضا لا يمكن إلا أن تلاحظ سمة أخرى غائبة عن الشخصية الليبية وهي إظهار مشاعر الحب للزوجة .. وقد أظهر الأستاذ فاضل حبه الشديد ووفاءه الكبير لزوجته السيدة " حسنى " رحمها الله .. فصورها تحاصر المكان .. والحديث عنها الذى أفرد له السيد فاضل جزءً لا بأس به من الجلسة كان يخرج بصيغ التفخيم .. وعبارات الحصرة والشوق .. وأطلعنا على صورها وأخر ما كتبت من ملاحظات .. وأطلعنا على صورة مؤثرة له وهو يجلس بجوار قبرها .. وقد طبع على شاهد القبر صورتها مع عبارة تستمطر شآبيب الرحمه عليها .. واللعنة على من تسبب فى غربة أل المسعودي .

 

لعلي نسيت أن أتحدث عن سبب الزيارة فقد كانت بمناسبة تكريم  مجلة "الحقيقة " للأستاذ فاضل المسعودي فى عددها القادم ( العدد العاشر) كأحد مخضرمي الوسط الإعلامي .. وكصحفي قدم الكثير للقضية الليبية خلال العهدين .. وسلمنا له شهادة تقدير بإسم مجلة الحقيقة .. وغادرناه الى مطار جنيف مباشرة .. وفى الطريق كان تفكيري يجنح نحو أمنية أرجو أن تتحقق وهي إحتفالية كبيرة تكرم فيها كل الشخصيات التى قدمت للوطن فى شتى المجالات .. السياسية والإجتماعية والثقافية والدعوية بعيدا عن العيون الحزبية التى أضناها العمش وقتلتها النرجسية .. وأقصد تحديدا الشخصيات الموجودة فى المهجر .. على إعتبار أن الشخصيات الموجودة داخل الوطن لها طريق تكريم بواسطة مؤسسات ومنابر داخل الوطن .

 

بقى فقط ان أذكر بأن اللقاء الذى جرى بيننا وبين الأستاذ فاضل  كان مجرد " هدرزة " .. وجاء بعفوية تامة .. وبشيء من الإلحاح من طرفنا .. وبعد إتمامه بالصورة التى ستشاهدون .. أبدى الأستاذ فاضل خشيته من أن لا يكون قد أعطى الموضوع حقه .. أو أن يكون قد أغفل شيئا .. او نحو ذلك فى غمرة اللقاء .. فكان الإتفاق على ان تكون هناك حلقة ثانية كتكملة للحديث.. وللإستدراك إن كان هناك شيء يوجب الإستدراك .. فتحية للأستاذ فاضل المسعوي الذى فتح لنا صدره وبيته .. ونأمل أن نتمكن من تكملة مشوار الحديث معه ومع أخرين  يستحقون عن جدارة أن تفتح لهم القنوات الإعلامية الليبية أبوابها .. فالإختلاف الفكري .. او مراعاة غضبة النظام أو رضاه لا ينبغى أن تكون حاجزا بين الناس وبين منابر الإعلام .. إن كنا نفهم أن الإعلام قيمة . 

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1)        ولعله من غرائب الصدف أن أفتح جهاز التلفزيون أثناء مراجعة هذا المقال .. لمشاهدة برنامج " مساجلات " والذى كان ضيوفه الصديق الأستاذ / نعمان بن عثمان .. ورئيس تحرير مجلة العرب " أية الله " ـ والتعبير هنا لصديقنا القزيري ـ أحمد الهوني الذى يبدو أن حكنته الصحافية قد خانته عندما دافع عن قضايا الألفية الثالثة بمفردات الحرب البادرة .

 

(2)        وقد حرصت على لقاء بعض الأصدقاء مثل جمعة العمامي و قورينا والجاسر وغيرهم ممن لازالت ذكرياتهم غضة طرية .. ولكن قدر الله وما شاء فعل لم اتمكن من ذلك  . 

 

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.