منتدى القراء

3 ديسمبر 2004


 

 

الكرسـي


قصة: عمر الكدي


 

عندما شيد مكتب الاتصال با للجان  الثورية بباب العزيزية ، احتدم النقاش طويلا حول قاعة الأجتماعات.

 

كانت القاعة الفسيحة على شكل مستطيل يتسع لمائتي شخصا ، واتفق الجميع على ان كل الكراسي تكون متشابهه باستثناء كرسي واحد خصص للقائد يكون مميزا ، واكبر من كل الكراسي الأخرى ، ألا ان اعتراض منسق الشعبة الامنية ، وكذلك منسق الشعبة العسكرية ، أطاح فى نهاية الامر بالضلع الرابع ، وطار معه خمسون مقعدا دفعة واحدة ، وانتهى النقاش بالاتقاف على ان تكون قاعة الاجتماعات على شكل مستطيل ناقص ضلع ، وتتسع لمائة وخمسين شخصا ، وان يوضع فى منتصف الضلع الناقص كرسي واحد يخصص للقائد فى حال حضوره ، او غيابه . لم توضع مواصفات محددة لكرسي القائد ، وترك ذلك للشركة المنفذة.

 

منسق الشعبة الامنية المكلف بالاشراف على كل ماله علاقة بقاعة الاجتماعات ، نقل التوصيات للمهندس التركى المشرف على التنفيذ بصوت يشبه صوت ديك مصاب بالسعال الديكى ، من خلال مترجم عربي من اهالى لواء الاسكنرونه. المهندس التركى نقل التعليمات الى كبير النجارين فى الشركة ، بصوت يشبه صوت احد باشاوات طرابلس الغابرين ،وبعد ان اخترق الصوت المتغطرس الطبقة الانكشارية المحيطة بمخ النجار ، اجاب الاخير: ( تمام يافندم) ، وانصرف بكل همة لصنع الكرسي.

 

لم يكتف النجار بصنع كرسي يكفي ليتربع فوقه احد سلاطين الدولة العثمانية ، ومعه ربع الحريم ، بل وضعه فوق مصطبة ترتفع عن الارض مسافة عشرة سنتيمترات ، وهكذا احتل الكرسي، والمصطبة الضلع الرابع لقاعة الاجتماعات ، وخلف الكرسي علقت صورة للقائد ، وهو يرتدى قميصا اصفر وينظر الى اعلى.
                                                

تنظيف الكرسي

 

منذ الاجتماع الاول صار الجميع يوجه حديثه للكرسي ، وفى نهاية الاجتماع اقترح احدهم ، توجيه برقية للاخ القائد ، وكلف منسق شعبة المؤسسات التعليمية بكتابة البرقية وقراءتها ، وقف الجميع امام الكرسي ، وتوسطهم كاتب البرقية ، الذي اخذ يتلو البرقية ، ويده اليسرى ترتفع مع كل كلمة ، بينما كانت يده اليمنى ترتعش ،وترتعش معها البرقية  :( اليك يامفجر ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة ، ياصانع عصر الجماهير ..يأمين القومية..وياشرف الامة العربية...).

 

منسق شعبة الاعلام والتثقيف ادرك على الفور ان القائد لو حضر فلن يجلس على الكرسي ، فأذا جلس منتصبا ، وأتكأ بظهره على الكرسي ، فلن تصل قدماه الى الارض ، واذا جلس على حافة الكرسي ، ووضع ذراعيه على المسندين العاليين ، فسيبدو مثل طائر يستعد للاقلاع ، او كأنه يقود دراجة نارية كبيرة الحجم.

 

بعد شهرين ادرك الجميع بان الكرسي مثل اي شئ اخر يحتاج الى تنظيف ، من حين الى اخر ، واقترح منسق الشعبة العسكرية ان يحظى بهذا التشريف المنسق العام لمكتب الاتصال باللجان الثورية ، ومنذ ذلك الحين ، وبعد كل اجتماع يباشر المنسق وسط موجة من الهتافات مسح الغبار عن الكرسي بمناديل حريرية يحضرها المسؤول عن المشتريات بمكتب الاتصال ، ثم يكنس المصطبة ، ويترك لعمال النظافة تنظيف بقية القاعة ، في حضور مندوب عن الشعبة الامنية ، واخر عن الشعبة العسكرية.

 

في الذكرى الرابعة لتنظيف الكرسي ، وبعد ان انتهى المنسق العام من مهمته التشريفية ، رفع احدهم يديه ، وقال :( آية الكرسي). التفت اليه الجميع ، وعندما وجدوه جادا في قراءة الآية، وقد انكمشت ملامحه من شدة التضرع والابتهال ، رفعوا ايديهم وبدأوا فى تلاوة الآية ، ومنذ ذلك الحين اضيف هذا الطقس الديني ، الى بقية الطقوس الثورية.

 

 فحص الكرسي

 

بعد سنة شعر المنسق العام بوخزات خفيفة فى اطراف اصابع يديه ، تشتد ليلا وتخف بالنهار ، ثم تطور الامر وبدأت اصابعه يذوب مثل شموع مشتعلة ، مما جعله يستخدم القفازات، وبعد ان فشل الاطباء فى تشخيص هذا الداء الغريب ، بدأت الهواجس تقض مضجعه ، وتأكد بأن الكرسي هو سبب متاعبه ، خاصة وان الليبيين صاروا يتندرون على مهمته التشريفية ، فكلما سمعوا فى الاخبار (( منسق مكتب الاتصال باللجان الثورية)) يضيفون(( والمكلف بالكرسي)).

 

وبسرعة افترض ان الشركة التركية مخترقة ، وان جهة معادية كانت على علم بأن الكرسي صنع خصيصا للقائد ، وهكذا تمكنوا من وضع سموم ، او مواد مشعة ، او مواد كيماوية تكفي لانهاء المهمة بأكبر قدر من الفاعلية ، والصمت.

 

بسرية بالغة كلف مصنع الزحف الاخضر لصناعة الاثاث التابع لمكتب الاتصال باللجان الثورية صنع نسخة مطابقة للكرسي والمصطبة. تم تستبدال الكرسي والمصطبة ليلا فى حضوره ، ونقل الكرسي القديم بمصطبته الى مزرعته ، وبسرية مطلقة استدعى خبراء من مركز البحوث النووية فى تاجوراء ، قاموا بأجراء مسح اشعاعى على الكرسي والمصطبة ، وكشطوا عينات اجروا عليها اختبارات فى المركز ، وكانت كل النتائج سلبية ، استدعى خبراء من مركز البحوث الصناعية ، واخرين من مركز البحوث الجنائية ، وايضا من مركز البحوث النفطية ، ولم يعثرو على شئ يثير الريبة . جمعت عينات وارسلت الى مختبرات متطورة فى سويسرا ،وكانت النتائج سلبية .

 

كشر مثل ذئب يستعد للأنقضاض على فريسته ، وأمر بأحراق الكرسي والمصطبة.

 

الحاجة جازية

 

في الاجتماع التالى اعلن انه سيتوقف منذ الان عن القيام بالمهمة التى كلف بها ، وقال ان الثورة جاءت لتحررنا من عبادة الكرسي ، وان مهمتنا كثوريين هى تمكين الناس من الجلوس على الكراسي. لم يعترض احد، كانوا يعلمون ان اصابعه المختفية فى القفازين صارت مثل أقلام الرصاص المدببة ، ولكن الكرسي ، والمصطبة ، وايضا الصورة فى حاجة الى تنظيف ، لذلك كلف منسق الشعبة الامنية بالبحث عن عجوز تقوم بهذه المهمة ، المهم ان تكون بعيدة عن الشبهات.

 

خلال اسبوع احضر منسق الشعبة الامنية معلومات وافيةعن عاملة النظافة.

 

الحاجة جازية على الحطمانى . العمر 62 سنة . أرملة. تعول ثلاث بنات وولدين ، تقيم بالحى الاسلامي. عملت فى مستشفى الخضراء ، وفى مركز رعاية العجزة بالسوانىز عاطلة عن العمل منذ ان ان فصلت بسسب تقليص النفقات.

ووقع المنسق العام بيد موضوعة فى قفاز من الجلد الاسود قرار تعيينها.

 

وفى يوم السبت التالى احضر منسق الشعبة الامنية الحاجة جازية فى سيارته ، واصطحبها الى قاعة الاجتماعات ، ووضح لها ماينبغى ان تقوم به ، وماأن غادر القاعة بعد ان اقفل عليها الباب بالمفتاح ، ادركت الحاجة بانها فى مكان مهم جدا . تأملت الكرسي ، والمصطبة ، والصورة ، والقاعة الضخمة ، وتأكدت انها فى مكتب قائد الثورة. شعرت بالرهبة ، وتفصد عرق بارد من جبينها وصدغيها وطلبت من الله ان تكون العاقبة خيرا ، وبعد ان كومت لحافها الابيض على احد الكراسي ، انصرفت الى عملها بكل همة ونشاط .

الطلبات المستجابة

 

فيما بعد صارت تحضر كل يوم سبت بنفسها . تستلم المفاتيح من رئيس شؤون العاملين بشعبة الادارة . تقفل الباب بالمفتاح ، وتنصرف لعملها ، وهى تشكر للصورة ، وللكرسي متاعبها وهمومها بصوت مسموع ، ولأنها عانت الامرين دون جدوى ، وطرقت كل الابواب دون نتيجة لتجمع سنوات عملها السابق منذ وفاة زوجها ،  لتحصل على راتب تقاعدى من الضمان الاجتماعى عندما تصل الى سن الخامسة والستين . قررت ان تترك طلبا فوق الكرسي ، لعل القائد يقرأ الطلب ، ويرأف بحالها .

وفى يوم السبت التالى ، وبعد ان انتهت من عملها اخرجت من صدرها طلبا رسميا عليه دمغة ، كان ابنها سالم الطالب فى جامعة الفاتح قد كتبه . وضعت الطلب فوق الكرسي ، وخاطبت الصورة:( ورأس صغارك..ورحمة امك وبوك..ماتردنيش خايبة.)).. وضعت لحافها فوق رأسها ، وغادرت القاعة .

 

فى الاجتماع التالى لمح المنسق العام الطلب فوق الكرسي . التقط الطلب بيد مقفزة ، ووضعه فى جيبه . فى نفس الاسبوع وصلت رسالة استدعاء من الضمان الاجتماعى الى الحاجة جازية ، وفى نفس اليوم حلت كل مشاكلها التى لم تتوقع ان تجد لها حلا على الاطلاق . فى يوم السبت التالى تركت الحاجة طلبا اخر لمشكلة اخرى ، فالحاجة تحصلت على بيتها فى الحى الاسلامى كبديل لبيتها الذى هدمته البلدية فى حى ابوسليم ، والذى دفعت اقساطه كاملة للمصرف العقاري من راتب زوجها ، ولكن نفس المصرف طالبها بدفع اقساط البيت الجديد ، ولم تجد كل الشكاوى التى رفعتها مع سكان حى ابوسليم الذين نقلوا الى الحي الاسلامى .

 

خاطبت الصورة ، وشكرت القائد على استجابته الفورية لطلبها السابق : (( ..ينجيك ويخليك لصغارك )) ، ووضعت الطلب الجديد فوق الكرسي .

 

فى نفس الاسبوع جاءها استدعاء من المصرف العقاري. هذه المرة عاملوها بكل احترام ، قدموا لها كأس شاى ، واعتبروا ان البيت الجديد هو تعويض عن البيت المهدم فى ابوسليم ، واعطوها صك مصرفى به كل الاقساط التى اجبرت على دفعها .

 

ماان وصلت الى الحى الاسلامي حتى بلغت كل جيرانها ، بضرورة كتابة طلب بأسم كل اهل الحى لحل المشكلة مرة واحدة. جلس ابنها سالم فى المربوعة مع احد اصدقائه لكتابة الطلب، واسترسل يحدثه عن فن كتابة الطلبات ، وان المقدمة هى رأس الطلب ، واهم اجزاءه على الاطلاق ، ثم كتب :(( يامفجر ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة ،  يامفجر عصر الجماهير ،يامفجر النهر الصناعى العظيم)). رفع القلم وهو يفكر فى الجملة التالية ، فقال له صديقه:((اكتب يامفجر طائرة لوكربي)). وصل الجيران للتوقيع والبصم على الطلب بينما سالم وصديقه يحاولان السيطرة على ضحكات حادة جعلت عيونهم تدمع.

 

فى يوم السبت التالى وضعت الحاجة الطلب فوق الكرسي ، وحاطبت الصورة:((..كلهم يحبوك ..والله يفدوك بروحهم وبدمهم وبصغارهم..منو عندهم بعد الله غيرك)).

 

فى نفس الاسبوع وصلت الاستدعاءات من المصرفالعقاري لكل سكان الحي ، استعادو اقساطهم كاملة ، وتسلموا شهادات بملكية العقار الجديد . اشتروا خروفا للحاجة جازية ، ودفعت كل عائلة حمس دينارات لكاتب الطلب.

    

كرة الثلج

 

تدحرجت كرة الثلج الصغيرة ، وصارت تتضخم شئيا فشئيا. ماأن انتزعوا الاعتراف من الحاجة بأنها تعمل فى  مكتب القائد ، حتى اضافوا له ماحطر فى بالهم ..(( يحبها مثل امه))..((مايقدرش يرفضلها طلب))..((لايأكل ولايشرب الا من يديها))..(( شفعت فى جماعة حاولوا القيام بانقلاب))...وهكذا تحول بيت الحاجة جازية الى قبلة لكل الناس الذين لم يجدو حلا لمشاكلهم فى اروقة البيروقراطية ، والفساد. وكانت الحاجة تميز بين المشاكل العادية التى لاتستدعى تدخل القائد فتنقلها الى منسق الشعبة الامنية ، اما المشاكل المستعصية فتضعها فوق الكرسي، كان كل من يستجاب لطلبه يحضر حروف للحاجة ، وخمسة دينارات لسالم ، وهكذا تمكنت الحاجة من شراء اثاث جديد ، وسيارة لسالم ، ومع نهاية العام كان الخطاب يطرقون بيتها طالبين الاقتران باحد بناتها ، وكانت قد اكتشفت جمعية استهلاكية بمكتب الاتصال اسمها جمعية الصقر الاخضر ، بها كل مالايمكن العثور عليه فى بقية الجمعيات الاستهلاكية ، بعد ان تفرغ من عملها يوم السبت تتجه فورا الى الجمعية ، وهى تحمل طلبات جيرانها الملحة ، بينما ينتظر احد الجيران فى سيارته امام البوابة ، وهو ينظر بتوجس نحو القناصة الذين جلسوا فى الابراج خلف رشاشاتهم المصوبة نحو الخارج.

 

كان المنسق العام لمكتب الاتصال باللجان الثورية يحرص على تفقد القاعة بنفسه بعد انصراف الحاجة ، ليجمع الطلبات من فوق الكرسي ، وكان يشعر بتحسن كلما انجز احد الطلبات، وصار مع الوقت يعلم ان مشكلة اصابعه لها اساس نفسي ، خاصة بعد ان فحصه احد الاخصائيين النفسيين الاجانب ، وبين له ان سبب المشكلة يعود الى صراع عنيف بين جانبين فى شخصيته ، ولأنه لايستطيع معارضة مايقوم به ، قرر ضميره ان يعبر عن رفضه المقموع بتشويه اطراف اصابعه . كان ينتظر طلبات الحاجة جازية مثل مدمن حانت ساعة حقنه . فى تلك الليلة ينام قرير العين، وقد نزع القفاز من يديه.

   

الأستقالة

 

استمرت الحاجة جازية فى عملها حتى بعد تقاعدها ، وظلت تضع كل اسبوع الطلبات فوق الكرسي ، وكانت قد تمكنت من حل مشاكل عويصة لايمكن حلها . اعادة كل العاملين فى مستشفى الفاتح(اندير سابقا) الى عملهم بعد ان تم فصلهم . دفع الرواتب المتأخرة منذ ثمانية اشهر للعاملين بمصنغ الخزف بغريان ، الاسراع بارسال عدد هائل من المصابين بأمراض مستعصية لايوجد لها علاج فى ليبيا الى الخارج على نفقة المجتمع ، وغيرها من المشاكل التى التى لاتستطيع الحاجة تذكرها جميعا ، وبعد اداء فريضة الحج ، وتزويج كل بناتها وابناءها ، وبعد ان اطمأنت حتى على احفادها ، توفيت الحاجة جازية فى بيتها بالحي الاسلامي وهى نائمة.

 

اقيمت لها جنازة عظيمة. اعداد هائلة وفدوا من كل انحاء ليبيا. توقفت المصانع ، والادارات ليتاح للعاملين فرصة توديع الحاجة جازية.

 

حاول المنسق العام ان يجد امراءة تحل محل الحاجة جازية ، وعندا فشل ، جلس فى مكتبه وكتب استقالته . خرج من مكتب الاتصال  باللجان الثورية ، وقد شعر ان الدماء عادت تدفق فى اطراف اصابعه. نزع القفاز من يديه ، وألقاه من نافذة السيارة.

                                     

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.