منتدى القراء

05/12/04

 

 

طـارق القـزيـري

 

رحيل الرحال: محاولة وشاية بريئة.

 

 المثقف : ذلك .. الذي يتحلى بروح مستقلة، ومحبة للإستكشاف والتحري،

وذات نزعة نقدية أحتجاجية تشتغل بأسم حقوق الروح والفكر فقط.

من مقال ( مهام المثقف المسلم ) محمد أركون.

 

قبل أيام (48 ساعة تقريبا) من وصول بريد ألكتروني من صديقنا أحمد الرحال متضمنا رابط لخبر إستقالته من إدارة تحرير موقع (ليبيا اليوم)، قبل ذلك كنا في سيرة الاستاذ أحمد نفسه مع أحد الأصدقاء فأخبرته بأن بقاء الرحال مجرد وقت فيما أظن، وعللت ذلك بأن سقف أحمد الرحال أعلى من سقف أي مجموعة سياسية أو حزب مثل الأخوان المسلمين. وهذا أمر لايعود للأخوان بالذات بل فقط لأن طبيعة المثقف تتخالف مع طبيعة السياسي. فالأول حالم رومانسي تغييري بالمهمة والنزوع.بينما السياسي موقوف حركيا ومساريا على تغيرات في الواقع وعلى الأرض وهو يتفنن في أختيار الممكن فيما يحاول الاول التفنن في تصوير ما يجب ومايطلب.

 

بهذا التعليل الذي لاأراه ذما في الأخوان ولاقدحا فيهم ( وهو ليس مدحا كذلك)، بل مجرد تقرير لطبائع الأشياء، بهذا التعليل والتقرير أستطيع ان أفهم تصرف الرحال ورحيله من الموقع الذي اشرف على بدايته ونشر عديد الأراء والأفتتاحيات كانت مثيرة للجدل بكل تأكيد. أعلم اليوم أن توجه الأخوان أقرب إليّ من توجه الرحال ذاته، وأن الجماعة أكثر حرصا من الرحال إزاء التوجهات نحو الأنفتاح على النظام في الداخل. ولكني أعلم تماما أن وجهة نظر الرحال لم تقم على مصالح شخصية بل بناء على وجهة نظر وتحليل. وبالتالي فهي قضية أختيار شخصية وفكرية محضة.

 

وإن كنت لاأخفي صداقتي واعتزازي الشخصي بعلاقتي بالأستاذ الرحال فإنني أرى نفسي ملزما بأن أرفع له القبعة أحتراما وتقديرا إذ أعتقد أن الرحال طوال الفترة الماضية ومنذ مقاله الشهير ( لنتجاوز لوكربي) ظل محافظا على أمرين الأول موقفه الشخصي وتحليله ورؤيته للأمور . والثاني محافظته على دماثة خلق وأحترام عميق للأخرين ووجهتهم وتحليلهم فلم يتورط في مايتورط به المتخالفون الليبيون عادة. ولاأجد نفسي هنا محتاجا لتأكيد إختلافي مع الرحال في عديد القضايا. بل إنني أكاد أقول أن تعديد نقاط الأتفاق بيننا أسهل من ذكر الأختلافات الطويلة والعميقة كذلك. * لكن الرحال يقدم لي شخصيا (على الأقل) مثالا رائعا للمثقف الليبي المؤمن بوجهة نظره والمدافع عنها والنازح عن كل مايثير الشقاق والعداء ويعزز القطيعة بغير موجب.

 

  أعلم أن  هناك مشاكل (ما) داخل موقع ليبيا اليوم أدت لرحيل (الرحال)، منها المادية وأحب التأكيد بصدق أنني لم أتحدث للرحال من قبل أستقالته ولحد كتابة هذه السطور ولكنني أصر بأن تطلّع الرحال إلى سقف أعلى مما تسمح له أستراتيجة الموقع الذي يمثل  مباردة إعلامية ورصدية (بشكل أو بأخر) للجماعة ، هذا التطلع هو السبب الرئيس لرحيل الرحال. وانا هنا لاأقوم بأي وشاية عن إختلافات داخل الجماعة نفسها. وهي لو كانت فستكون بريئة تماما. لأننا نعرف مثلا أن غالبية قرارات مجلس الشورى كما يحكي أصدقائي من الأخوان تتخذ بالأغلبية أي أن الأختلاف موجود دائما، ولايمكن لبشر أن يعتقد التوافق الكلي بين أي جماعة سياسية أوغيرها.

 

أعود للقول بأن رحيل الرحال هو درس لنا جميعا – فيما لو صح تقديري للأمور- أن محاولة الكتّاب والمثقفين الخلط بين الحركة والقول النظري بشكل إنخراطي وأنتمائي سيكون عائقا لهم لا عن الوصول إلى مايبشرون به فقط بل قد يمنع تطورهم الفكري والنظري كذلك. وأنا لاأريد العودة أو تناول تلك الأسطوانة (المجروحة) عن المستقل والمستقيل ، فأنا وبدون مواربة أعتبر نفسي مستقيلا ولست مستقلا . طالما أن قواعد اللعبة الدائرة الأن في كل الفصائل والتجمعات تسير بصورة غير مشجعة للتطلعات الفردية والأفق الفكري المنفتح والمعارض بطبيعته والنازع إلى ترسيخ التناقض دائما بين الواقع والمرجو أو المطلوب. وفاء لروح الفكر والعقلانية.

 

الأستقلال بقدر ماهو وضع لحدود الذات فهو تقعيد لحدود ونموذج الأخر واعتراف به. وهذا لايمكن لي ولا لأي صاحب فكر أو توجه نقدي – فيما أظن-  فكيف يمكن لنا الاعتراف بعلاقات ونماذج إتصال وتواصل رديئة ومعيقة للتطوير الذاتي والجمعي. فالأمر يحتاج منا إلى بعض الشجاعة للقول بأستقالتنا عن (السبر والسريب السائد).

 

نقف اليوم كما يقف كل من هو مثلنا أمام سؤال مزدوج ومحير ومربك وحتمي لجهة التعامل معه وهو : كيف يمكن لك أن تحارب على جبهة المبادئ والقناعات الشخصية وروح الفكر والعقلانية النقدية وفي نفس الوقت تحافظ على رصيد إجتماعي ضروري ومهم لك كأنسان وكمثقف لابد ان يكون ملتزما بقضايا مجتمعه ووطنه وشعبه؟؟؟ 

 

إن ثمرات النقد عادة –لدينا- تتلخص في أثار ماساوية أجتماعية ... فلا مجال إلا لمنطق المحارجة ( إما ، أو)... لازلنا بحاجة للكثير حتى نقترب من أجواء قابلية الأخر والاعتراف به كما هو وكما يريد لنفسه ان يكون.

 

وفي ضمن ذلك كله نفهم كيف أمكن لأحمد الرحال – رغم كل مالديه ومايواجهه- أمكن له أن يكون نموذجا للمثقف الصامد أمام أكراهات الفكر والاجتماع على السواء.

 

نحتاج للكثيرين مثل أحمد الرحال ... أولئك الذين يصمدون مع قناعاتهم ولاينخرطون في ماهو مؤذي ومعيب تجاه الأخرين... سواء كان ذلك بوعي منهم أو لمجرد دماثة خلق وحسن تصرف تلقائي.

 

تحية للرحال أحمد الرحال ... وتحية لموقع (ليبيا اليوم) رغم كل مابيننا من تباين وتفارق ... واستطيع ان أتطوع ببشارة للرحال طالما هو كما أعرفه بأن سيكون له من لقبه نصيب كلما تمسك بفكره وعقله وأدبه الجم والرفيع.

 

تحية لأحمد الرحال ... مع أماني وافرة له بالتوفيق ... ذلك مارأيت أنه يتوجب علي تجاه من هو – فيما أحسب- مثلا لنا جميعا بثباته وأخلاقه في سعينا من أجل ليبيا ... ليبيانا الحديثة. وأكرر رغم مابيننا من أختلاف.

 

ولله الأمر من قبل ومن بعد

 

  طـارق القـزيـري

abusleem@al-haqiqa.info

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.