منتدى القراء

08/12/04

 

 

العقيد معمر : أرجوك لاترحل قريبا

 

بقلم: طارق القزيري

 

..أنا أكتب لكل من أعرفهم..وليس ثمة مايخيفني من أي إتجاه..فالنقد لايشعرني بالإرتباك..وإذا كان أحد لايفهمني الأن.. فسوف يأتي رجل أخر ويفهمه كل أحد على الفور. أنا لاأريد أن أحقق شيئا، سوى أن أهيئ مكانا لذلك الرجل القادم في الطريق...   الصادق النيهوم  في أحد رسائله لصديقه رشاد الهوني*.

 

رسالة مفتوحة للأخ القائد

 

السيد معمر : من الصعب على المرء أن يدعي أنه يكتب مثل ماأكتب اليوم وهو لايشعر بوطأة من يحدق فيه من قضاة التحقيق في النوايا الوطنية، ومسؤولي محاكم التفتيش المنتصبة أمام شاشات العديد من أجهزة الحاسوب المستخدمة وبمهارة من مواطنين ليبيين مثلي تماما. كل ماأستطيع أن أتعهد به هو محاولتي السيطرة على إلحاح وتأثير تلك النظرات الشرسة قدر الإمكان.

واريد أن أعترف وابوء ببعض أفضالك علينا مثل أن مكنتنا بطردك إيانا (بعلم أو بدونه) من ليبيا أن تعرفنا على كثير من الناس الطيبين جدا، والسيئين جدا، وأخرين لم نستطع تصنيفهم لحد الأن... وبالتالي أصبحنا بوجودك معروفين بشكل أكبر من ذي قبل... ربما كنا سنكتب لو لم تكن موجودا لكن القراء لن يكونوا أسعد فليس ثمة موضوع يستحق القراءة بالنسبة لهم أكثر منك أو مايتعلق بك... فأنت تحديدا مايطلبه القراء والمستمعون والمشاهدون(قريبا ربما) كذلك... فشكرا لك على منحنا فرص التعارف والخلاف والصداقة والعداوة كذلك.

 

أوجه إليك طلبي هذا وأتبرع ببيان حيثياته المقنعة لي على الأقل، راجيا منكم تفهم المطلوب وإلتزامه قدر إستطاعتكم، ولأطول فترة ممكنة، ففي الحقيقة يصر أكثر السادة المعارضون لحكمكم ، على أنكم سبب المشاكل المكتسحة لبلادنا التي تقيمون أنتم بها واقطن أنا خارجها لأمد لايعلمه إلا الله. وبما أنكم السبب في كل مايحدث فإن رحيلكم –وبإجماع من يعارض أويوافق ومابين بين- لن يحل مشاكلنا إياها، ومن هنا فإن رحيلكم سيجعلنا نحن الليبيين أمام حالة لم تحدث في تاريخ البشرية ولن تحدث، إلى أن نذهب فريق في الجنة وفريق في السعير، وهي أن تكون هناك نتيجة بلا سبب، فطالما أنتم أس البلاوي وأساسها فبقاؤكم ضروري وملح كي لانفقد منطقيتنا وصرامة تحليلنا ودقته. أي تبقى مشاكلنا وتذهب أنت سببها الوحيد والأوحد وهذا أول مبررات طلب عدم رحيلكم.

 

وبإعتبار أخر فإن مسألة بقاؤكم مرتبطة في العمق بوحدتنا الوطنية، فأنتم تعلمون بأن مامن شئ يجمعنا إلا عدواتكم بشتى صور وأشكال التعبير، ونحن لم نبلور مشروعا تاريخيا ومستقبليا لحد الأن، بل إن عدواتكم هي الأساس الوحيد الذي يمكن أن نبني عليه أي شئ من هذا القبيل، وبنا عليه فبقدر ماسيكون بقاؤكم ضروريا لحفظ وحدتنا الوطنية، فهو كذلك مهم لكل جهود تفعيل مشتراكاتنا البينية، وجهودنا المستقبلية. فوجودكم لايزال مهما جدا كما حاولت أن أوضح لكم ....

 

وهناك فخامة الأخ القائد أسباب أخرى منها ماله علاقة بمفاهيمنا الفلسفية كالزمن مثلا : فالزمن لدينا عند تحقيبه ( وضعه في حقب تاريخية)، يسترشد دائما بمجئ عهدكم، فتاريخنا نفسه نبنيه وفقا لما أنتهى إليه الحال، وذهابكم سيفرض علينا تحقيب تاريخي أخر، يحتاج تصوره والإجتهاد فيه لوقت أطول مما تتصور مما قد يسمح لشواغب كثيرة بالمساس بتاريخنا ونصاعته وعظمته، فبقدر مايضمن إطالة وجودكم فرص بناء مشاريع المستقبل بدونكم، فهو يدعم كذلك القدرة على تصور أخر لتاريخنا بدونكم كذلك. ولو بصورة لاحقة.

 

     وكذلك فإن المرء مثلي ولد وكبر وتعقل الدنيا وأنت جالس فوق (خشمها بالزبط)، وكل الأحداث تؤوب إليك صيفا وشتاءً ، بحق وباطل، لذا أعترف لك أنني غير مهيئ (لخارقة) مغادرتنا ليس هذا وحسب بل إنك ستصيب مجالسنا وسهارينا نحن من نسكن خارج الوطن ونصدع بكراهيتك ستصيبها في مقتل، فمن لنا بعدك نمحضه الحنق والسب والشتيمة، ليس من العقل إطلاقا أن يبقى المرء بلا أعداء وإذا كنت أنت عدونا الوحيد الأوحد، والذي لن يكون لنا غيره فكيف ترحل لن نسمح لك بهذا أبدا .. وماأكتبه الأن مجرد طلب وستعقبه مظاهرات وأعتصامات وبيانات فيما لو حاولت عدم الإستجابة لما أطلب منك، وأظن ذلك مطالب كل من تبحبح أو (ترهدن) بسببك. إن مجرد إقدامك على الرحيل ولو ميتا سيعتبر الجريمة الأكبر التي أرتكبتها في حق ليبيا، ليس من حقك أن تتركنا في عراء الصداقة والمحبة والألفة، فماذا سنفعل بمشاعرنا السلبية إلى من نرسلها وحتى أسرائيل صارت من شرقنا الأوسط. أوليس هذا أيضا سببا وجيهاً لبقاءك.

 

 مواطننا القذافي:  عن من سنكتب؟؟ ومن سنتنقد؟؟ ومن نفضح؟؟ بل كيف سنطلب اللجوء السياسي والإنساني إذا رحلت؟؟ لقد منحنا بقاؤك الطويل والمديد الفرصة الكاملة في شتم من نعرف ومن لانعرف من بوش حتى أمير بورناي مرورا ببيرلسكوني وبلير وقناة الجزيرة، لقد كنت وحدك سبب مباشرا في كثير مما قمنا به ونقوم وسنقوم طالما أنت موجود وحي ومعافى ... وإذا كنت سببا في البطالة في الداخل فـأنت سبب العمالة (من العمل)  في الخارج، وبإعتبار إخواننا في الداخل ينطبق عليهم المثل القائل ( ماهو نايض ماهو نايضفلا بأس أن تبقى ولأطول فترة ممكنة.

 

وأنت وبنفس الدرجة ساهمت في راحتنا بقدر ماسببت لغيرنا الشقاء، فنحن بفضلك نسينا مشاكلنا الحضارية والثقافية والمدنية والنفسية والإجتماعية وتخصصنا في شؤونك بل وشؤون أولادك وأسرتك من سياراتهم إلى منازلهم واصحابهم وحتى (كيف أيطبوا في الكورة)، لقد أرحتنا من التفكير (وهل هناك أصعب منه؟؟)، فالحديث عنك لايحتاج لكثير عناء، صرنا نملك كيس الحاوي الذي لاتخرج يده من كيسه بلا مفاجأة وطرفة، وساهمت عبر تفننك في اللباس والحراس (والحارسات) والخيام والإبل بل حتى ضيوفك الذين لايشبهون ضيوف من عرفنا ونعرف من الزعماء، ساهمت بكل ذلك في أن توفر لنا مزيد مجال للتضلع في نقد الشخصيات الهامة، فلن تجد كتّابا أفضل من أبناء شعبك فيما لو أردت أن تستعين بهم ذات يوم ( في تطليع دين أم أحد ما) من الرؤساء الأخرين. أقصد فيما لو أتفقنا ذات يوم(بعد عمر طويل إن شالله) على صلح أو إصلاح أو تصالح ، أو ماشابه!!!

 

حتى علاقاتنا أيها الأخ القائد : مبنية وفق شعورنا ومواقفنا تجاهك وليس تجاه ليبيا نفسها، فزوار برنامج مثل البال توك وغرفه على الإنترنت(وهذا مجرد مثال)، يتوزعون ويحضرون ويغيبون وفق رؤيتهم ووضعك بالنسبة لهم، فهل يهون عليك أن نزور البال توك والماسنجر بدون أي خطة لحجب (بلوك) أو إستقبال الأخرين طالما لامعيار لنا سواك .... بقاؤك إذا مهم حتى لعلاقتنا بالتقنية نفسها ... ومعاييرنا الإجتماعية كذلك .....أنه ضروري بأكثر مما تتصور أنت نفسك.

 

 الليبيون هم شق يسبح بحمدك في الداخل (جهرا فقط)، وشق أخر يسبح بكفرانك في الخارج حتى على جنوبهم، وبالتالي فقد نفقد فجأة كل مبررات ودواعي الكفر والإيمان، وهذا أشق مما يستطيع المرء التفكير فيه ناهيك عن مزوالته ومعايشته فعلا.

 

 سيادة العقيد :لقد صرنا جميعا نحوز على خبرة ومهنية أكبر وأقدم محرري صفحات الحوادث في العالم من القاهرة حتى شيكاغو، لم نعد بحاجة للكتابة حول شئ أخر غيرك لدرجة أننا فقدنا القدرة تقريبا على النطق بغير السب والشتيمة لأننا تعودنا بفضلك على ذلك وذلك فقط، ثم نزين ذلك بكراهيتك ونصدره للقراء، وعلمتنا كذلك (ضرب النقص)، فلم يعد يجدي لأحد أن يقول مالم نتحقق بأنفسنا عن ماكان وماسيكون ومالم يكن لو كان كيف يكون... أكتسبنا بفضلك قدرة أكثر المحققين البوليسيين والمخابراتيين على التدقيق في النوايا وفرزها يمينا ويسارا ... لقد صرنا مشاريع ألهة تعلم المقاصد ... وتطلع على السر وأخفى.

 

 فخامة الأخ القائد : لقد أعتبرناك مشكلتنا الوحيدة أوالأهم فليس هناك داعي لأن تتركنا بشكل صاعق ومحبط دعنا أولا نفكر كيف يمكن أن نتوقف عن سب بعضنا وتخوين بعضنا وتكفير بعضنا والتخطيط لذبح بعضنا لنتفرغ لمشاكلنا المزمنة والمصيرية والكارثية ساعتها وساعتها فقط حينما نبدأ في ذلك فعلا ... سيبدأ تاريخ ليبيا الحقيقي ... وساعتها لن يطلب منك أحد البقاء بل لن يطلب منك أحد الرحيل أصلا لسبب بسيط وبسيط جدا ... هو أنك لن تكون موجودا على الإطلاق إعتبارا من تلك اللحظة ... ومن تلك اللحظة بالذات. فأنت مجرد نتيجة ليس إلا..... مجرد نتيجة مثل أي نتيجة بدهية حسابية نعرفها مباشرة أو بالعد على الأصابع أو بالإلة الحاسبة ... نتيجة شبه رياضية لواقعنا.... فأنتظر حتى يهدينا الله ونلتفت لذلك الواقع ونغيره ومن ثمة تـنصرف في ستين داهية أو  ألف سلامة... فذلك لن يكون مهما كثيرا يافخامة العقيد.

 

فأرجو أن لا ترحل.. وخلينا مكسدين عليك (لين أيدير الله طريق!!).. هل فهمت سيادة العقيد؟؟ إياك أن ترحل الأن!!!!.

 

مواطنكم : طـارق القـزيـري

abusleem@al-haqiqa.info


*من كتاب ((طرق مغطاة بالثلج عن الصادق النيهوم)) جمع وإعداد وتقديم : الإستاذ : سالم الكبتي. ص313.

  

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.