مراجعة ونقد كتاب "بوتقة الرب وتخليق أوروبا .... ماذا لو
لم تتوقف جيوش الإسلام عند فرنسا؟ ....
كان عالمنا سيكون أفضل مكانا!" " .... أستاذ التاريخ
الأمريكي ديفيد ليفيرنغ لويس،
بقلم جوآن أكوسيللا، نشرت بتاريخ 4/2/2008 بموقع مجلة "نيو
يوركر".
|

دكتورة الأدب المقارن، جو آن أكوسيللا
صاحبة المقالة عن كتاب "بوتقة الرب"

لوحة بريشة الفنان الهولندي (كارل فون
شتوبن) تظهر معركة بواتييه (بلاط الشهداء) في سنة 732 ميلادي، العام
الذي عبرت فيه الجيوش الإسلامية جبال البرانس.

المؤلف (على اليمين) مع عميد جامعة
كولومبيا

صفحة الغلاف لكتاب "بوتقة الرب" دار
نورتون يناير 2008.
|
عالم
التاريخ الأمريكي/ ديفيد لويس:
-
أكبر كارثة في تاريخ العالم منذ
سقوط الامبراطورية الرومانية، هي توقف المسلمين عن مواصلة الزحف الحضاري
بعد الأندلس!
-
الأندلس استغرق موتها أطول ولم
يستطع الفايكنغ اختراقه!
-
لو تمكن العرب من نشر حضارتهم
الإسلامية المبنية على التسامح والتعددية في أوروبا بكاملها، لكانت نهضة
أوربا تحدث بدون سفك دماء واستعمار وكوارث!
-
نهضة أوربا تعثرت وتأخرت بسبب
التطرف الديني وفرض الرأي الواحد وعانت البشرية كلها من جرائها ولا تزال!
-
لم يتفوق أحد على المسلمين في
الحضارة والفكر من العناية الفائقة بالنظافة إلى الحس المرهف والقبول
بالآخر .. أيام الأندلس!
-
أسباب سقوط حضارة الأندلس يبحث
عنها في التطرف والتناحر ومستوى الرفاهية والتكالب على السلطان!
-
الكتاب يعتبر استجابة لدعوات
إدوارد سعيد الراحل بوجوب إعادة النظر فيما سطره المستشرقين عن تاريخ
الإسلام!
-
لو لم تتوقف القوات الإسلامية في
فرنسا (سنة 732م.)، لكان عالمنا اليوم أفضل مكانا!
نص عرض ونقد الكتاب (الحزء الثاني
والأخير):
في نظر المؤلف "لويس"، شارلمان،
كان بطلا بعد بطله الأول، عبد الرحمن الداخل، وكان أيضا في نظره، عسكريا
عبقريا ورجلا صالحا ورفيقا محببا. يقول لنا "لويس" عدة مرات، بأن شارلمان،
كان فارع الطول (ستة اقدام) بشعر أشقر متموج ورداء أزرق متطاير خلفه وهو
يمتطي صهوة جواده الأبيض، ويواصل "لويس" توصيفه: بأن الفرنجة كانوا شعبا
بدائيا متخلفا ولكن الشعوب التي غزاها شارلمان (الساكسون في ألمانيا
واللومبارد في شمال إيطاليا والأفار في أقاليم نهر الدانوب، كانوا أكثر تخلفا
وبدائية.
ملكهم الجديد حاول تحسين ظروفهم،
فرض عدم زواج القساوسة، مما تسبب في غيظهم، ثم منع ممارسة الجنس مع المحارم،
وهو أمر كان معتادا لديهم. وفي سبيل رفع المستوى الثقافي لشعوب الفرنجة، قام
بتأسيس "قصر المدرسة" وهو تشكيلة ما بين الكلية والمركز الفكري، ثم استقدم
رجالا متعلمين، ولكن جهوده كانت محدودة بسبب تواجده المستمر في ساحات المعارك،
ولم تكن الشعوب المجاورة مستجيبة له، لأنه وعلى عكس المسلمين، كان يفرض عليهم
ديانته، وهكذا انقضت حياته في الغزوات وإعادة الغزوات، وهذا بالذات ما دفعه
لإنهاء حملته لاحتلال أسبانيا عندما وصلت إليها أخبار تمرد الساكسون واستلزم
الأمر رجوعه.
كلا من عبد الرحمن وشارلمان، كانوا
من المؤسسين بالدرجة الأولى، كانوا رجالا حملت أعمالهم ثمارها فقط بعد وفاتهم،
وفي حالة شارلمان، بعد وقت طويل من وفاته (في سنة 814)، وتوفي عبد الرحمن
بسنة (788) ومع ذلك تظل معاركهم وكفاحاتهم، الدراما الرئيسية في كتاب "لويس"،
ويفقد حماسه العاطفي عند نهايتمها.
في حالة بلاد الفرنجة، لم يكن بيده
أن يعمل غير ذلك، ففي أقل من ثلاثين سنة من وفاة شارلمان، تمزقت الامبراطورية
التي قضى حياته في تشييدها، إلى ثلاث قطع، واحد لكل من أحفاده الثلاثة.
وفي هذه الأثناء قامت جحافل
الفايكنغ (قبائل بربرية من اسكندينافيا – السويد) بشن حملة غزواتها ولم تستطع
الممالك الثلاث التي انقسمت إليها الامبراطورية حيال ذلك شيئا، في نهاية
القرن التاسع الميلادي، كانت بلاد الفرنجة دمارا .. ويصفها "لويس" قائلا "
... مستوطنات محاطة بأسوار حشر فيها القرويين والفلاحين الذين تم إجلائهم من
أراضيهم ... كان الأفق مليئا بالأبرشيات ودير الرهبان المحترقة .. لم تكن
تعنيهم قصور المدارس" ..
ويذكر عن أحد السفراء المسلمين الذي يصف قبائل الفايكنغ الهمجية" .. إنهم
أقذر عرق على وجه الأرض، إنهم لا يمسحون الغائط بعد قضاء الحاجة ولا يغتسلون
أبدا .. لقد كانوا مثل الحمير الوحشية.. أما بالنسبة للأندلس، فلقد استغرق
موتها وقتا أطول، لم يستطع الفايكنغ اختراقها.
ما هاجم أسبانيا المسلمة، وكالعادة،
كان من داخلها، الأيبيريين والمقاطعات المسيحية بالشمال، وكذلك بربر شمال
أفريقيا، الذين قدموا أصلا للنجدة ثم استولوا على السلطة، ولقد أحضر الشمال
افريقيين نوعا من الإسلام أكثر شدة وصرامة واقصاء من الإسلام الذي عرفته
أيبيريا من قبل، وصارت فكرة الكوفيفينسيا، التعايش معا، ما بين دورات التمرد
والقمع مجرد شكل من أشكال التراخي.
في هذه الفترة، لم تعد الجيوش تحت
قيادة العرب، فرخاء العيش أدى بالنخبة العربية لفقدانها الحماس والإقدام، لقد
صار العرب يحبون الحياة الناعمة، لم تعد الحرب ترق لهم .. ففي ساحات المعارك
لن يستطيعوا الحصول على وجبات شهية أو حمّام (المعروف عن عرب الأندلس أنهم
يعتنون بالغ العناية بنظافتهم، كانوا يستعملون معجون الأسنان ومزيل الرائحة
تحت الإبطين)، وبالتالي كانوا يبقون في مراكزهم ويرسلون البربر والأفارقة
والرقيق ليحاربوا حروبهم، وهؤلاء كانوا يشنون هذه الحروب بحكمة أقل وبعنف
أكثر بعكس ما كان يفعله العرب، وهنا نلاحظ أن "لويس" يكتب تحليلا مأساويا ..
"عندما تكون الشعوب أكثر حضارة، تنحط همتهم"
وهكذا، سنة بعد سنة، أخذت حياة
النعيم تختفي ... ابتدأ حرق الكتب مترافقا مع المجازر، الثورات وعمليات
الانتقام والقمع، كلتها كانت تدور بعنف وشغف بالعنف ... عندما كانت قرطبة تحت
حكم (محمد الثاني)، قام بغزوها مـدّعٍ آخر بالعرش، وعندما احتلها جيشه المكون
من البربر، قام الجنود بنهب المدينة وهدموا مبانيها بما في ذلك قصر عبد
الرحمن (لم يحافظوا إلا على المسجد الجامع).. بعد ذلك بعشرين سنة تم حل
الخلافة الأيبيرية، وانقمست شبه الجزيرة إلى ممالك طوائف يحكمها صغار ملوك
ومارسوا مهامهم بقسوة وعنف غير مسبوق.
في هذه الأثناء، انطلقت بزخم كبير
حملة "الكونكويستا" أو استعادة أسبانيا للمسيحية، سقطت طليطلة تحت ضربات (ألفونسو
السادس، ملك ليون وقشتاله) الملك الكاثوليكي، في سنة 1085، واستغرق الأمر
أربعة قرون أخرى لطرد آخر الأمراء من غرناطة في سنة 1492. نلاحظ هنا، أن "لويس"
لا يتحدث عن هذه الحقبة إلا في عجالة، لم يكن يحب الحديث عنها.
وبدلا من ذلك، يركز المؤلف اهتمامه
على إسهامات أسبانيا المسلمة في مجال العلوم، التي ازدهرت عندما أخذ وضعها
السياسي في التدهور، المعمار وفنونه استمر في التقدم (قصر الحمراء الشهير
بغرناطة شرع في بنائه بالقرن الثالث عشر الميلادي)، وارتقت الموسيقى والشعر
والعلوم والرياضيات، والفضل يرجع لأسبانيا المسلمة، في أننا لم يعد علينا
المعاناة في كتابة الأرقام الرومانية. تم استيراد تقنية صناعة الورق من الصين،
مكتبة قرطبة المركزية كانت تحتوي على أكثر من أربعمائة ألف مجلد، ولكن يظل
أهم إنجاز دائم وعظيم الفائدة قامت به أسبانيا المسلمة هو الترجمة والتعليق
على النصوص الإغريقية القديمة. في القرن العاشر، قام الطبيب (هاسداي بن شربوط)
بالإشراف على الترجمة العربية لكتب ديوسكوريبديس في علوم الطب، الذي كان
جراحا مرافقا للجيوش الرومانية في القرن الأول الميلادي، ثم أعيد ترجمة النص
العربي إلى اللاتينية، هذه الموسوعة الطبية كانت المرجعية المعتادة في مهنة
الطب إلى حين عصر التنوير في القرن الثاني عشر.
كتب الفيلسلوف العربي، ابن رشد،
تعليقاته الشهيرة على نصوص الفيلسوف أرسطو، وكتب موسى بن ميمون عن مؤلفه "دليل
الحائر" العاطف على فكر أرسطو، والاثنان متأثران بأطروحاته، والفيلسوفان
القرطبيان أخذاعلى عاتقمها التوفيق ما بين العقل والإيمان، ليثبتوا بأنه
هنالك إله.
بالنسبة للعالم المسيحي، تم القيام
بمثل هذا العمل المهمة من قبل مفكري ما يعرف بــ "السكولاستيك" أي المدرسيين،
وعلى رأسهم القديس توما الإقويني الذي كانت كتاباته تمثل أساس الفلسفة
الأوروبية إبّان الفترة ما بين القرن الثالث عشر الميلادي إلى القرن السادس
عشر، ولكن، كانت كتابات الرجل معتمدة أساسا على أعمال ابن رشد وخصوصا قراءاته
لفكر أرسطو ونصوصه.
وبمقدار صحة القول بأن الثقافة
الغربية تفرعت ونمت من الثقافة الإغريقية، ومن ثم أصبحت الثقافة "الكلاسيكية"
التقليدية لها، فلقد فعلت ذلك لأن الأندلس نقلت الفكر الإغريقي لأوروبا
الغربية.
بحلول القرن الثاني عشر الميلادي،
مثل هذا الفكر أصبح مسألة خطيرة في أسبانيا (حرقت كتب ابن رشد، وبعضها فقد
للأبد) وكان الأمر أكثر خطورة، خصوصا لليهود مثل موسى بن ميمون، فلقد مات
الرجل في المنفى وهو يتحسر بمرارة لتخلي وطنه (الأندلس) عن الأفكار
الليبيرالية.
(يفكر الإنسان هنا بيهود أوروبا
بسنوات الثلاثينات من القرن العشرين)، وبموت الرجلين (ابن رشد وابن ميمون)
انطفأت الأنوار حوالي "بوتقة الرب".
في منظور "لويس" العميق التقدير
لعلوم الأندلس، نندهش عندما نرى صغر المساحة التي يخصصها له، فابن رشد وابن
ميمون يحصلان على سبع صفحات ما بينهما، وهذا يعتبر شحـًا عندما ننظر
لأهميتهما، "لويس" لا يعتني كثيرا بالفنون، ففي وصفه لقصر الزهراء الأعجوبة
التي شيدها عبد الرحمن الثالث بالقرن العاشر، لم يكن معنيا بالجانب الفني مثل
عنايته بالتأثير السياسي للقصر: أي قدرته على إدخال الروع في نفوس زواره ومن
ثمة يجعلهم يتواضعون ويقعون تحت تأثيره كرمز لقوة الخلافة.
نلاحظ أيضا أن التاريخ الاجتماعي
يغيب كثيرا في كتاب "بوتقة الرب"، لم نعرف كيف كان يشعر المواطن الأندلسي،
فقيرا كان أم غنيا، كذلك لا يوجد تقريبا شيء على ديانة البلد، وهذا في حد
ذاته يعتبر سهوا في كتاب يتحدث عن دولة بحكومة دينية.
أساسا، كتاب بوتقة الرب يعتني
بالقتال والحكم، "لويس" يجعل من عملية شن الحروب أمرا مثيرا حيث نجده يقول "
... أطلقت كتيبة الفرسان المدرعة هجهومها بصيحات - الله أكبر- ومرقت صاعدة
التل على الطريق الروماني وسط ضباب كثيف من زفير الخيول وهي تقتفي أسرابا من
السهام التي أطلقها الفرسان" ... "لويس" يبدو أيضا منحازا عند تناوله قضية
منازعات الوراثة، فيقول لنا كيف استيقظ الملك "بيبان الثالث" والد شارل مارتل
القادومة، من غيبوبته وهو على سرير الموت للحظة كانت كافية ليصدر فيها مرسوما
بخصوص المتكالبين على العرش من بعده ثم عاد لغيبوبته ومات.
يعطينا "لويس" مجموعة ممتازة من
الألقاب والنعوت التي تطلق على الحكّام، فنجد، ليس فقط "شارل القادوم" ولكن
أيضا "بيرتا القدم الكبيرة" (والدة الامبراطور شارلمان) ثم لقب الخليفة
الوليد بــ "الوليد العبيط" ... عندما لا تكون هناك قصة، "لويس" يروي لنا
واحدة دائما.
لا نعلم سوى القليل عن الرهبان
الذين كتبوا ما لدينا من تاريخ عن العصور المظلمة من منظور أوروبي، ولكن "لويس"
يتخيل واحدا من هؤلاء الرواة، ففي أبرشية "سان دنيس" في ضواحي باريس، وفي
ليلة باردة في أوائل القرن الثامن نجده يروي لنا ".. ربما كان الراهب رائق
المزاج بفعل إبريق النبيذ الحامض الذي قام بترطيبه بالعسل أو القرفة بينما
كان يرتعش من الصقيع بالقرب من نار المدفئة في غرفة قد عبقها الدخان، عيناه
تجاهد العتمة وريشته تخط قصص أحداث الساعة على الصفحة ...." يبدو لنا هذا
التصوير كفلم سينمائي ... "لويس" من دون شك، لديه ملكة مدهشة في فن الرواية
والسرد ...
أي كاتب يتناول موضوع أسبانيا
المسلمة، عليه أيضا، بقدر ما، أن يعرج على تاريخ الامبراطورية الرومانية
والبيزنطية وامبراطورية الفرنجة، وبالتأكيد الامبراطورية الإسلامية التي كانت
تحكم الشرق قبل وخلال حكم العرب لشبه الجزيرة الأيبيرية، ويقوم "لويس" بذلك
ببراعة متناهية فكان يـٌدخل ويـٌخرج تاريخ هذه الممالك في كتابه كما ولو أنها
تتحرك على خشبة مسرح دوّار.
نثره الحي يشتطّ أحيانا نحو
السوقية، فعندما يقتبس من أقوال الناس، نجد كلمات مثل "شهق" و"تعكرم وجهه"
... وعندما تكون هنالك معركة على نهر الرون، فتصبح المياه لديه بلون قرمزي،
وعندما تكون المعركة على نهر الفرات فهي تتدفق بلون البورغوندي (النبيتي)،
يحب "لويس" التماثل، بما في ذلك الخلط المتنوع فنجده يقول "الأمة الفرنسية
والبابوية، عرش أوروبا المستقبل بعد عصر ملابس الكتّان كانت جميعا ، جنين في
الرحم في الوقت الذي كان فيه فجر الإسلام ينفلق على شبه الجزيرة ..."
لدى "لويس" أيضا شغف وربما ضعف نحو
"الكلمات العامية" والقوالب المتكررة الاستعمال، فيقول " الملوك يستوظفون
الأفضل والأكثر بريقا" .. وإذا ما كانوا يقومون بعملهم جيدا، فيقول "يتدحرجون
لا يوقفهم أحدا" .. وإذا كانوا غير ذلك فيستعمل تعبير "كانوا على الجانب
الأقل جدارة" وقد ينحصروا في "معركة قاتلة ما بين القوى العظمى " .. وإذا لم
يستخدموا سياسة الأرض المحروقة (أي حرق وتدمير كل شيء في طريقهم)" فقد
ينزلقوا" للهاوية في هبوط دائري" ثم يفقدون "ممتلكاتهم" .. نجد مثيلا لهذه
التعبيرات تقريبا في كل صفحة. هذا التقافز، كان في الغالب لغرض معين، ألا وهي
إظهار الفرنجة بأنهم أقل تمدين من المسلمين، وهي نقطة لا يستطيع "لويس"
التوقف عن عرضها.
-
المسلمون كانوا يشيدون المدن،
الفرنجة كانوا يعيشون في الغاب
-
أمراء المسملين كانت لديهم قصور
من رخام
-
ملوك الفرنجة الأوائل لم يكن
لديهم سوى بيوت من خشب
-
المسلمون كانوا يتنقلون على
صهوات جيادهم الأسطورية
-
أجداد الامبراطور شارلمان، كانوا
ينتقلون إلى محال واجباتهم الطقوسية بعربات تجرها الثيران
-
المسلمون كان لديهم نقود من فضة
وتاجروا في التوابل والحرير
-
الفرنجة، كان اقتصادهم مبني على
المقايضة ...
"لا تختلف كثيرا عن مستوى الإنسان
البدائي" . يظهر المسلمين من الطبقات العليا في الصالونات والمجالس حيث يتلى
الشعر وتناقش الأفكار على عكس الملك "بيبان القصير" والد الامبراطور شارلمان،
الذي كان يستقبل السفراء في غرفة مليئة "بجلود الدببة" وأسلحة متراصة فوق
بعضها البعض، وكلاب تشخر وعظام متناثرة ودنان خمر مقلوبة.
فرسان الفرنجة، كانوا يقضون الشتاء
فقط في منازلهم، "... حيث يسمع عواء الذئاب وأصوات المعاشرة العشوائية" ..
وعندما يأتي الربيع، يتوقفون عن المعاشرة ويشرعون في ذبح بعضهم البعض طوال
بقية السنة...
بالنسبة لخصومهم من المسلمين، فلقد
كانوا يرون فرسان الشمال هؤلاء كأسماك مفترسة (البيرانها) و"القتلة المتمرسين
في القتل" و"لصوص لا يستحمون ولا يغتسلون" ولا يحلقون شعورهم، ثقافتهم هي "الخواء
الغربي" ...
كثيرا ما كان "لويس" ما يشبه
أنشطتهم بما جرى من فظائع في القرن العشرين: التطهير العرقي و"الحل النهائي"
مشيرا بذلك لعمليات إبادة المسلمين والكروات في البوسنة ومحرقة اليهود في
ألمانيا.
لا يتوقف "لويس" كثيرا، وله حق،
على ما كان يجري في أعمال مشينة مثل الغزو والرق وامتهان النساء، فهذه وعلى
الرغم من الظلم الصارخ فيها بمنظورنا اليوم، إلا أنها كانت معتادة وعادية في
العصور المظلمة، ولكن المؤلف، وأينما يستطيع، يبرز تفوق المسلمين في هذا
النطاق، فإنه يفعل ذلك بحماس. فيقول:
.. وعلى عكس الآخرين، المسلمون لم
يقوموا باسترقاق من كان يدين بدينهم، فقط الكفار (لماذا هذا أفضل؟). أما فيما
يتعلق بالضوابط الموقعة على النساء (وهو موضوع ساخن في عصرنا) ، فإنها يعترف
بأن المسلمين كانوا أكثر شدة من الفرنجة ولكنه يقول باعتقاده بأن محمد (صلعم)
لم تكن لديه النية بهذه الشدة، وبأن القرآن هو فعلا أكثر رفقا بالنساء من
التوراة أو الإنجيل. وعندما يتحدث عن صلب الكفار، فإنها كان يقول بأنه "أحد
المظاهر المؤسفة في مهمة بناء الأمة"
عندما تسقط الدولة الإسلامية،
الجهاد الذي بنيت على أساسه، لم يعد ظاهرا، ولم نعد نرى سوى الجهاد المسيحي.
أما وضع الحد التاريخي للكتاب بسنة 1215، فطبقا لما يقول، كان ذلك العام الذي
قام فيها البابا إنّوسينت الثالث بإطلاق الحملة الصليبية الألبيجينيزية والتي
تعد مثالا استثنائيا لوحشية التطرف الديني، حسب رؤية "لويس"، الذي طورته
أوروبا كرد فعل تجاه المسلمين، وأصابت به عالم دامي لعدة قرون بعدها.
إذا كانت، كما كتب الباحث "إدوارد
سعيد"، كتب التاريخ القديمة عبارة عن سرد إيديولوجي خفيّ، إلا أن ما يكتب
الآن هو أيضا يميل نحو الإيديولوجية بطريقة ظاهرة، فحيث يمتشق القلم كل جيل
من الباحثين والكتّاب لنجدة شعوب يفترض أنها جديرة وعلى الرغم من ذلك حاقها
الظلم من قبل الجيل السابق وكذلك من قبل غزاة من حاملي الفؤوس والهراوات في
عصرهم، أو إذا كان كل من ورد في كتاب "لويس" من الفاتحين، فإذا نجد بأن
المسيحيين استلبوا أسبانيا من المسلمين، الذين بدورهم كانوا قد استلبوها من
الفيزيغوث الذين هم أيضا استملكوها من الرومان وهؤلاء أخذوها من القرطاجيين
الذين ألقوا بالفينيقيين خارجا منها ...
لا يزعم "لويس" بأن المسلمين لم
يكونوا غزاة، ولكنه بكل بساطة يبرر غزوهم على أساس أنهم من المؤمنين في فكر "الكونفيفينسا"
أي التعايش، وهي مسالة في غاية الحساسية في هذه الأيام.
أستيطع أن أرى أو أتخيل، في وقت ما،
تظهر فيه مسألة أخرى تحظى بإهتمامنا، على سبيل المثال، الكارثة البيئية!، فقد
يتطوع أحد المؤرخين ليكتب مثنيا على الفرنجة، الذين يجدهم "لويس" في منتهى
الانحطاط عند مقارنتهم بالمسلمين، فقد يقول هذا المؤرخ الافتراضي: الفرنجة
كانوا يعيشون في غابات برية، والمسلمين كانوا يبنون المدن الفاخرة، بها قصور
وقنوات مياه معلقة ... وبالتالي يكون الفرنجة أكثر رحمة بالبيئة ... وقد يقول
بأن الفرنجة كانوا مغرمين بنكاح المحارم، وهذا النوع يمنع تكون المجتمعات
الكبيرة .. تحديد نسل؟ .. ونفس الشيء يمكن قوله عن اقتصاد الفرنجة المعتمد
أساسا على المقايضة .. فالتجارة التي كان يمارسها المسلمون على نطاق واسع
تعتمد على النقد .. وهذا يقود بدوره للمؤسسات الكبرى .. وهذا هو السبب في أن
لدينا الآن شركات ضخمة متعددة الجنسية تعمل على نطاق كوني ..
كل إشكالية في تاريخنا، تؤدي إلى
مراجعة للتاريخ الماضي، العديد من مؤرخي اليوم يعترفون بذلك، ويحتجون بأن
كتبهم، إذا ما تم تسييسها، فستكون أكثر نزاهة عن كتب الماضي المسيسة.
التشاؤم، في إمكانية العثور على حقيقة مستقرة قد يبدو واقعيا، ولكنه
أيضا يرسخ، بل يشجع، على طرح محاجاجات خاصة .... وليس كتاب "بوتقة الرب"، على
الرغم من كل ما به فضائل، إلا مثال.
راجع الجزء الأول لهذه الترجمة
نبذة عن مؤلف الكتاب (إعداد المترجم):
صدر الكتاب (بوتقة الرب وتخليق
أوروبا God's Crucible) عن دار نشر نورتون (Norton) بقلم الباحث التاريخي
الدكتور ديفيد ليفيرنغ لويس (David Levering LEWIS) المتخصص في علم التاريخ
المقارن، وبتركيز على تاريخ القرن العشرين، والتاريخ الاجتماعي للولايات
المتحدة ومن بين اهتمامته تاريخ أفريقيا في القرن التاسع عشر وفرنسا القرن
العشرين، له سبعة كتب، وراجع اثنان.
ولد عام 1936، تخرج من جامعة ييل
وتحصل على الماجستير من جامعة شيكاغو في العلوم الاجتماعية ثم ماجستير من
جامعة كولومبيا في التاريخ ونال الدكتواره من جامعة لندن في سنة 1962 في
التاريخ الأوروبي والفرنسي.
قام بالتدريس في جامعة غانا وجامعة
هاورد جامعة نوتردام، وجامعة هارفارد وجماعة كاليفورنيا في سان دييغو قبل أن
يلتحق بجامعة روتغرز في سنة 1985 كأستاذ للتاريخ لمدة 18 سنة، وهو الآن أستاذ
بجامعة جوليوس سيلفر وأستاذ تاريخ بجامعة نيويورك.
تحصل على جوائز كبرى مثل (بولتيزر)
مرتين، وبانكروفت وفرانسيس باركمان، ونال الزمالة في مركز دراسات العلوم
السلوكية المتقدمة وشغل لفترة منصب المحافظ به، والمركز القومي للإنسانيات،
ومركز وودرو ويلسون الدولي للمعلمين، مؤسسة سايمون غيغنهايم، والجمعية
الأمريكية للفلسفة، ومؤسسة جون وكاترين ماكارثر.
ترأس الجمعية الأمريكية للمؤرخين
في سنة 2002، وهو الآن عضو في هيئة تحرير مجلة "إدارة الأزمات" التي تنشرها
الجمعية الوطنية للمساواة وزميل في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.
من كتبه:
سيرة حياة مارتن لوثر كنغ 1970،
سجناء الشرف، قضية درفيس 1974، تاريخ مقاطعة كولومبيا في قرنين 1976، السباق
نحو فاشودا (السودان) تاريخ الاستعمار الأوروبي والمقاومة الأفريقية، مخالب
المخالب، الزحف نحو فاشودا 1987، الخليفة والخديوي وكيتشنر، الزحف نحو فاشودا،
كتب عن تاريخ حي هارلم (الخاص بالزنوج في نيويورك) 1994، النضال في سبيل
المساواة في أمريكا ما بين 1919 و 1963، أخر كتبه الذي صدر بشهر يناير الماضي"
بوتقة الرب وتخليق أوروبا النهضة"
*
نشر
بصحيفة
قورينا 26/3/2008 خاص بموقع شباب ليبيا الغد
رابط
المقالة الأصلي:
رابط الجزء الأول:
|