08/06/2008 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
بعد سنوات الانتظار الطويلة والمملة، تقلبت ليبيا على جنبها الثاني، وهو أمر لم يحدث منذ أن اختارت الجنب الأول لتنام عليه، أي منذ عام 1977، وهو العام الذي اعتمدت فيه ما يسمى بسلطة الشعب كنظام سياسي. لم يفشل نظام سلطة الشعب فحسب، وإنما تفسخ بالكامل وأصبح عبئا على الجميع، حتى على الذي فرضه بقوة السلاح، ليصبح الحاكم المطلق في البلاد، حيث لا حدود لصلاحياته، ولا وجود لتوقيعاته، فالمسئولية مسئولية الشعب الذي يحكم، ونظريا كان "قائد الثورة" مجرد مرشد أعلى لهذا النظرية العجيبة، التي احتكر صياغتها وتطبيقها وتعديلها كلما راق له ذلك، وفي السنوات الأخيرة سحبت الصلاحيات مما يسمى باللجنة الشعبية العامة، وتحول الوزراء الذين "صعدوا" في مؤتمر الشعب العام، إلى مجرد موظفين ينفذون أوامر ضابط كبير مكلف بالإشراف على هذا القطاع، أو تلك الوزارة.إذا سمحت سلطة الشعب للقذافي بحكم ليبيا بصلاحيات لم يحلم بها شاه إيران، وبول بوت، ومحمد عمر زعيم طالبان، فإنها الآن لا تنفع أبنه لأن سلطة الشعب لا تورث. لذلك ظلت هذه السلطة موجودة في مسودة الدستور، ولكن إلى جانبها توجد هياكل أخرى لا يملك فيها الشعب أي سلطة، ولها صلاحيات لم يحلم بربعها الشعب منذ أن استلم سلطته وثروته وسلاحه، وهي الهياكل التي سيعبر من خلالها الابن إلى سلطة "مشروطة" هذه المرة، أي لأول مرة يتم تحديد الفترة الزمنية التي سيبقى فيها رئيس القيادة الاجتماعية في السلطة.المخاض الاصطناعيفي الأيام القليلة الماضية حدث حراك في ليبيا لم يحدث منذ منتصف السبعينات، وثمة مؤشرات أن هذا الحراك يتم التحكم فيه عن بعد وعن قرب، وهو أقرب إلى المخاض الاصطناعي، الذي يعطيه طبيب الولادة للسيدة التي على وشك الإنجاب، إذا تأخر مخاضها الطبيعي، ولكن ليبيا أنجبت بعد المخاض الاصطناعي عدة توائم، من بينهم الدستور، قانون الصحافة، والمنابر، جميعهم خرجوا من بويضة واحدة، ولكن كل من هذه التوائم لا يشبه الآخر، وفي تقديري أن أول من سيتعلم المشي والكلام هو بالتأكيد التوأم المعروف باسم المنابر، أما الدستور فسيتأخر في القدرة على الكلام، حتى يشتبه في إصابته بالبكم والخرس. وأتوقع أن تسخن المنابر في الفترة القادمة، والتي ستكون بالتأكيد قبل 20 أغسطس حيث تعود سيف الإسلام، قائد الإصلاحيين إلقاء بيانه الأول الذي قسمه على عدة سنوات، وفي كل سنة يقرأ مقطعا منه. وتقديري أن مقطعه القادم سيكون على المصالحة في ليبيا.مصالحة بدون إنصافبعد أن تراشق "الثوريون" والاصلاحيون في المنابر، وعلى صفحات الصحف، حيث هدد الثوريون بالعودة إلى الكلاشنكوف، وهي الوسيلة الوحيدة التي يجيدون الحوار بها، خففوا من لهجتهم، وخاصة في محاضرة "مفتي الثوريين" رجب أبودبوس، الذي أقر بحق الناس في أن يكون لهم دستور، وأن الدستور ليس مناقضا لسلطة الشعب في "المذاهب الأربعة"، وأيضا محاضرة المهدي امبيرش، خطيب مثابة المدينة، والذي اصطحب معه المحامي محمد سالم دراه، الذي قال أنه ما كان يستطيع حضور هذه المحاضرة لولا أن امبيرش وعده بأنه سيكون في حماه. تحاول المنابر التأكيد من يوم مولدها بأنها جزء من سلطة الشعب، بينما يعلم الجميع بأن المنبر عندما يشب على الطوق سوف يصبح اسمه الحزب، وهو ما لا يستطيع المفتي وخطيب المثابة القول بأنه ليس مناقضا لسلطة الشعب، ويبدو أن المنابر ستتحول إلى مساحة حوار بين الجلادين والضحايا، وفي المدة القريبة القادمة، وقد يتطور الأمر ليتحول إلى حوار على شاشة التلفزيون، حيث سنرى السجناء السابقين وهو يسألون أحد هؤلاء الثوريين عن سبب سجنهم، ومثلما تحاور الجلاد والضحية في جنوب إفريقيا، والمغرب بعد تأسيس لجنة الإنصاف والمصالحة، ستحدث مصالحة في ليبيا ينجو منها المجرم من العقاب، بمساعدة حاسمة من ضحيته، وقد تدفع تعويضات مادية للضحية مثلما دفعت في المغرب، حتى لا تستطيع الضحية فتح هذا الملف في المستقبل.استدراج الإسلاميين إلى المنابرمن المهم أن يتواجد في هذه الفترة التياران "الثوري" والإصلاحي، ليس فقط من اجل إتمام المصالحة، وإنما حتى لا يشتط أحدهما، فيتم تهديده بالآخر، فمثلا إذا رفض الاصلاحيون مسودة الدستور وقانون الصحافة، فسيتربص بهم الثوريون ليرضوا في آخر الأمر بالسقف المتاح، وليس السقف المطلوب، وإذا اشتط الثوريون في عرقلة "الإصلاحات" فستخرج ملفات فسادهم من الأدراج المقفلة، وستضاف إليها ملفات جديدة وخاصة خلال جلسات المصالحة، وهو ما يعني أن النجاح الذي حققه النظام في سيناريو التوريث، جعله يطور التفاصيل الصغيرة ليستفيد بأكبر قدر من سيناريو كان يشك في نجاحه في بداية الأمر، وإذا كان سيف الإسلام هو أكبر ضمانة لمكونات النظام القديمة، من العائلة، القبيلة، إلى اللجان الثورية، فإن سيف نفسه أصبح الضمانة الوحيدة للإصلاحيين الذين استظلوا جميعا بظله، ليتحول التوريث من رغبة فوقية، إلى مطلب شعبي تتقدمه النخبة الإصلاحية، والحرس القديم الذي سيكفر عن أخطاءه بالاعتذار، بينما يخرج مبتكر وصانع سلطة الشعب من كل هذه المعمعة، وفقا للبند الرابع في الدستور الذي سيقبله الجميع مثلما قبلوا جميعا بسيف الإسلام. فإذا ضمن الثوريون سلامتهم وكل ما سرقوه، فسيراهن الاصلاحيون على أنهم وضعوا البلاد على سكة جديدة قد تقودها إلى مصير مختلف، وهو ما يستطيعون القيام به الآن وسط كل تلك الألغام المزروعة منذ أربعين عاما. وخاصة وأن التوقيت الذي تم اختياره لبرنامج المصالحة لا يلبي استعجالا داخليا، لبلد انتظر أكثر من 31 سنة وهو يدرك أن سلطة الشعب تقوده إلى كارثة، وإنما الاعتبارات الخارجية هي التي لا تنتظر، فلا نعرف من سيصبح رئيس أمريكا بعد بوش، الذي طوى قبل خروجه ملفات التعويضات، ولم يبق إلا إقناع الديمقراطيين إذا فاز أوباما بأن الليبيين متفقون جذريين وإصلاحيين، وأنه لا يمكن إلا الجمع بينهما وإلا فإن البلاد ستنقسم مثلما حدث في العراق، فلسطين، ولبنان، وخاصة إذا تم استدراج الإسلاميين إلى المنابر فخطابهم كفيل بجعل حتى أوباما يتردد في رفع سقف صمم منذ البداية ليعيش تحته شعب من القصر.عمر الكديالتعليقـــــــــــــــات صقر بلال: لا .. لا لم يتفسخ نظام سلطة الشعب فحسب .. بل تحلل و اصبح يرعى في جسده الدود والبكتيريا نظرا لأن خلايا جسده خلقت غير متجدده وغير حيوية، والحياة فيه تنبع من خارجه ، تنفسه آلي، وتغذيته صناعية، ونظام التخلص من الفضلات لايعمل .. لهذا تحلل واصبحت رائحته تزكم الأنوف. أما ما يجري الآن من شبه حراك سياسي فهو في نظري (والله أعلم) مجرد تمثيل انقسمت فيه الفرقة الواحدة إلى مجموعتين "عسكر وحرامية" على رأي جيراننا، والهدف هو: بما أن الثورة لا تورث.. أذن لابد من البحث عن شرعية ما.. لابد من صنع بطل مخلص.. مهدي منتظر يملأ ليبيا عدلا كما ملئت جورا، ولابد لهذا البطل من بطولة واضحة يأتي فيها برأس البعبع الذي لا يختلف اثنان على وجوب قتله والخلاص منه، وهو هنا اللجان الثورية ، وليكون البطل بطلا حقيقيا لابد للضحية أن تقاوم مقاومة مشهودة يكتب في نهاتها النصر للقائد المظفر فيعلن التسامح والعفو العام وفتح صفحة جديدة.. ونعود للمربع الأول ليبدأ الجيل الثاني أو العصر الجديد للغوغائية المرتجلة. |
|||||||