شـٌـطـّاحنا قديما واليوم
شطح، يشطح شطيحا،
يتراقص وينبطح ويداهن وينافق، وشطيطح تصغير (أو تدليع) الشَطّــاح، أي
محترف هذا النمط من السلوك، وطيطح من (طيّاح) أي الذي يطيح بالشيء ويهلكه،
من عمائر ودول وسلاطين وأولياء أمر، إن صدّق هؤلاء "شطّاحهم" بفعل تكرار
سماع قريظهم وشوراهم، ولم يفيقوا قبل فوات أوانهم، فصفحات التاريخ القادمة،
بعد أعوام أو أجيال، لن تكون بهم رحيمة، ولو كانت جبال وجبال من الفضيلة.
تاريخ الأقدمين
وبعض الحاضرين، مليء حتى الحافة بشواهد على ما أقول.
شطّاح اليوم،
وتحديدا؛ إعلام الحكومات والملوك والسلاطين، من كتاب وحائكي قوانين و"شرطة"
إعمال هذه المراسيم ... هؤلاء، ليسوا كلهم على كل حال، يزينون الباطل،
ويسبغون الأوصاف والنعوت على من يمتدحون، طمعا في المناصب والعطايا، فيصل
بعضهم حتى يتبوأ مقاعد ذات تأثير ونفير، ولو كان جل ما يقول ليس سوى
صفير..(بالمعنى الذي نقصده في ليبيا بقولنا: صفير في أذن ميت) .. والعبرة
بعقم ما يغنون وينشدون ويفتعلون..
هنالك منهم، من
ذوي الجدارة في تراثنا، من قال الحق، فمات فقيراً معدماً، وهناك من قال غير
ذلك فمات على كل حال. الأول، لا نزال نعتبر ونشغف ونسترشد بما قال، والثاني،
على الرغم من جمال ما كان يقول سلفا، إلا أن قوله المتزلف أورده موارد
التهلكة، وصار لدينا مثالا مجسدا لبؤس المنافقين المداهنين ...
عـدوّ الشطيح وأنموذج عنهم!
الأول، ابن
الرومي، كان شاعرا صادقا، شدا بشعر يكاد المرء يقول أنه نظم توصيفاً
وتعبيراً عن حالنا اليوم (توفي ابن الرومي في سنة 283 هـ) قال في وصف (آل
شطيطح):
أتراني دون
الألى بلغوا الآمال من شرطة ومن كتـّـاب
وتِجـار مثل البهائم فازوا بالمنى في النفوس والأحباب
فيهم لكنة النبيط، ولكن تحتها جاهلية الأعراب
أصبحوا يلعبون في ظل دهر ظاهر السخف، مثلهم لعاب
غير مغنين بالسيوف ولا الأقــلام في موطن غناء ذباب
متسمين بالأمانة زورا والمناتين أخرب الخراب
ويظلون في المناعم واللذات بين الكواعب الأتراب
لو ترى القوم بينهن لأجبرت صراحا ولم تقل باكتساب
من أناس لا يـٌـرتضون عبيدا وهم في مراتب الأرباب
ثم يعطف ابن
الرومي إلى اقتراح حل (أنا لا أنادي به لعلمكم! فقد يغتاظ منه السيد جورج
بوش ومحبوه، فيسموننا بنشر ثقافة الإرهاب، وعموما من الظاهر أنه من أصول
أجنبية مشبوهة وربما يكون عميلا مأجورا!) .... فيقول ما يتمنى أن يعمل بهم:
لهف نفسي على
مناكير للنكــر غضاف ذوي سيوف غضاب
تغسل الأرض بالدماء، فتضحي ذات طهر ترابها كالملاب
والناس، أو
الشعوب إن شئتم، قاعدون راسخون في البؤس والشقاء، والمناط بهم أمر تفقد
الرعية والعمل على تحسين أحوالها في حالة استغراق بذواتهم، ولا هم لهم إلا
طرز نصوص المديح، الذي أصبح مثيرا لغثيان الممدوحين أنفسهم، يعتقدون بذلك
أنهم في النعماء سيخلدون! فيقول ابن الرومي:
أصبحوا ذاهلين
عن شجن الناس، وإن كان حبلهم ذا اضطراب
في أمور وفي خمور وسمور وفي قاقم وفي سنجاب
هذا وأقسم لكم
أن (ابن الرومي) هذا لا يتحدث عن عصر أمتنا اليوم، بل أيام زمان، وليس ذنبي
إن أشبه اليوم البارحة، أو أصر التاريخ على إعادة استنساخ نفسه:
ثم تلقى الحكيم
فيه يمالي كل وغد على ذوي الألباب
لا يعد الصواب أن تعمر الثروة إلا ذوي العقول الخراب
من أقوال النوع
الثاني نأخذ مثالا شاعر الأندلس الشهير (ابن هانئ)، فرغم أنه من الناحية
الفنية البحتة كان شاعراً ممتازاً، إلا أنه كان "شطيطحا" بامتياز.. لأنه لم
يجد غضاضة في الانبطاح طمعا في العطاء، فمدح الخليفة الفاطمي المعز لدين
الله بشعر جاوز فيه كل الحدود، حيث خاطبه قائلا:
ما شئت لا ما
شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
أستغفر الله
العظيم، من كل ذنب عظيم، لم يجد هذا الشطيطح حرجا في أن يرفع هذا الممدوح
إلى مرتبة الإله.. سمع الخليفة المعز بما قال، فأرسل يستدعيه لقاهرته في
أرض الكنانة، فارتحل ابن هانئ برا، لخشيته من البحر، وعندما وصل إلى برقة،
دعي لمأدبة خمر حفلت بما لذ وطاب، من دنان خمر.. وشواء حملان وجديان،
بالقرب من مدينة (طلميثة) ثم لم يكن من أمره إلا أن وجد مقتولا في صباح
اليوم التالي..
فماذا يتبين لنا
عند إسقاط ما سلف على واقعنا اليوم؟ لا شيء تغير في بلاد العربان!
مشروع قانون الصحافة والشطيح
المودرن!
لدينا مسودة
مشروع لقانون صحافة في ليبيا، عندما تراه تصاب، في آن واحد، بالفرح والنكد،
وكأن روحين تقمصتا واضعي المخطط، فتجد، من جهة، إقراراً بحرية الصحافة
وحرية إصدار الصحف لمن شاء، ولكنك سرعان ما تصاب بالإحباط وخيبة الأمل
عندما ترى أن المقصود – بالنتيجة – أصحاب الثروات فقط، فلكي تقدم طلب إصدار
صحيفة عليك بإيداع مبلغ ربع مليون دينار (دمغة يعني)، ثم تلحق به نصف مليون
عند الموافقة، ولكي تكون رئيس تحرير عليك حمل شهادات دراسات عليا ماجستير،
أو خبرة طويلة تكاد تكون مستحيلة بالنسبة لأي صحفي محترف في عهد ليبيا الغد
الجديد، أو حتى للمستثمر الرأسمالي الذي قد يخطر عليه ولوج أبواب الإعلام،
وكأنك، في حالة رغبتك في رئاسة تحرير صحيفة تملكها، لا تكون أكثر من متقدم
لنيل وظيفة كاتب حكومي! ...
ثم تنفرج
أساريرك فرحا عندما ترى أن لك مطلق الحرية في الجهر برأيك... ولكنها فرحة
لا تدوم طويلاً، فسرعان ما تنقبض من جديد، عندما ترى الضوابط والشروط التي
توضع لك لكي تعبر عن رأيك، منها عدم المساس بالرموز التاريخية (ولا نعرف
المعايير في ذلك) أو رؤساء وملوك الدول وما في حكمهم (حزّر فزّر) وعدم
إبراز أخبار الجريمة أو صور أو أسماء المحكومين ...
كلام جميل أتى
إلينا دون شك من ميثاق وزراء الإعلام العرب بارك الله فيهم.
عموما القانون
قيد النقاش، وقد يصار لتعديله. ولكنه، بالرغم مما يتضمنه من بعض إيجابيات
أو جوانب مقبولة، إلا أنه يظل قاصرا عن تلبية حرية الإعلام، فقد نسي السادة
(ولا أقول ترزية القوانين) الذين حرروا مشروع القانون أن الحرية لا تتجزأ،
يجب أن تكون حرية إصدار الصحف مطلقة، ولا يحتاج من يفكر في إصدار صحيفة أو
مطبوعة إلى أكثر من تسجيل الاسم والعنوان والمسوؤلين عن المطبوعة لدى السجل
التجاري، ثم الإخطار، فقط الإخطار، للجهات المختصة بموعد صدور أول عدد. أما
مراعاة قيم المجتمع ورموزه، فينبغي أن نفترض وجودها لدى من يتصدر للقيام
بهذه المهمة الجليلة..فإذا ما تجاوز أو أخطأ ففي القوانين النافذة ما يكفي
لمحاسبته وعقابه، إن وجد أنه يستحق العقاب والجزاء..وفيما عدا ذلك فلنترك
الحكم على الصحيفة وصاحبها للجمهوروالقراء، لأن من يحكم على الصحيفة
بالنجاح أو الفشل هو الجمهور والقراء..إذ يقبلون عليها، ويتهافتون على
شرائها وتصفحها، أو يهملونها ويتركونها تعود إلى صاحبها في سلال المرتجعات..
ملاحظة أخيرة عن
القانون، وهي حكاية ضوابط النشر المفروضة بخصوص الجريمة وما يماثلها، هنالك
حق صارخ نطالب به ألا وهو حرية "الحصول على المعلومات". لا نريد أوصياء
يقولون لنا ما يجب أن يخبر به الجمهور أو لا. الجمهور، في هذه الحالة، هو
الشعب. ومن حق الشعب أن يعلم كل شيء. وبالمناسبة، سواء أعلم رجال الحكومة
أم لم يعلموا، الشعب يعلم كل شيء. وفي ليبيا، كما هو الحال في كافة بلدان
بني يعرب، الناس تعرف كل شيء، ولم يعد هنالك من أسرار، مذ دخل علينا السيد
الإليكترون، ناهيك عن واسطة (من فم لإذن) الفعالة ...
إذا كان أحد ما
يخشى (أو يتوجس) من نشر معلومة عنه، فمن باب أولى أن لا يقوم بعمل يخشى
تسرب أخباره.. أصلا!
على العموم..
وعلى سبيل الاحتياط، وتوخيا لفرض توصيات وزراء إعلام وأعلام العرب، أنتهز
الفرصة لأعبر عن رأي (والله العظيم رأي فقط) بخصوص بضع من رؤساء الجمهوريات
وملوك المملكات وأمراء الإمارات من بني يعرب من بطن (بني يخنع) من فخذ (أل
يبطش) ..
الماكياج بالحنــّـة أفضل!
ورأيي هذا يتعلق
بما قد يكون ناتجا عن اقتراح ومشورة آل (شطيطح بن طيطح) – وأقسم لكم بأغلظ
الأيمان بأنه ليس لدي شخصيا أي مانع من استعمال الصبغة، بل أفكر جديا في
استعمالها حيث أن البياض في رأسي أخذ يطغى على السواد ويكاد يلتهمه التهاما
– المذكورين أعلاه من آل (يشطح) نصحوا سادتي المذكورين بنصيحة تتمثل في
دوام استعمال لون صبغة سوداء (طليس) لشعورهم، والتي تجعل من المستحيل أن
يظهر على رؤوسهم شعرة بيضاء واحدة.
هذا الموضوع
بصراحة يقلقني ويؤرقني، فسنّ الرؤساء والملوك والأمراء الأعزاء متقدمة نوعا،
والمفروض أن يظهر عليهم بعض الوقار، وبصراحة تقاطيع وجوههم وألوان أربطة
أعناقهم وكذلك عقالاتهم، لا تتناسب مع سواد الشعر الفاحم، بل تكاد توحي
بأنهم خارجون من أحد المتاحف، لذلك أقترح كمواطن عربي يعتز برموز أمته
العتيدة أن يغيروا طريقة الصبغ، بحيث يظهر بعض البياض في الشعر (وإن لم
يوجد، فليصبغوا بعض الشعيرات المصرة على الاسوداد بلون الشيب) وإن كان من
الأفضل أن يطلقوا اللحى والشوارب ويصبغوها بالحناء كما كان يفعل أسلافنا،
أو حتى بدون صبغة مثل السيد (ابن لادن) .. هذا الرجل المزعج المقلق .....
على الأقل بهذه
الطريقة قد يستطيعون منافسته في شعبيته، وقد يخيفون بلحاهم هذه المحنّاة أو
غير المحناة ذاك المدعو جورج بوش وأتباعه من بقية (المفاعيص) ..
والفائدة العظمى
ستكون في دحض افتراءات السيد الكاتب (محمد حسنين هيكل) الذي يقول بأن رؤساء
وملوك العرب يتجملون أمام المرآة لكي يحوزوا رضى السيد الـــ... بوش!
* نشرت خارج الوطن/ القدس
العربي/ لندن 5/6/2008
التعليقـــــــــــــــــــــــات
|