لا شك أن مطلب الجلاء وإنهاء أمر
القواعد الأجنبية في ليبيا تحول خلال حقبة الستينيات إلى مطلب شعبي وطني
حقيقي .. ولكن الشئ الذي لا يعرفه الكثير من الليبيين هو أن الشعب الليبي
بحكومته ومعارضته في العهد الملكي قد قرر إنهاء أمر القواعد وإنتهى الأمر
خصوصا ً بعد تصاعد الإحتجاجات الشعبية المتكررة التي تطالب برحيل القوات
الأجنبية حيث إتخذت الحكومة الليبية تحت ضغوطات الشارع الليبي والمعارضة
الليبية في (البرلمان) قرارا ً بعدم التجديد للمعاهدات الأجنبية بإنتهاء
مدة العقود المبرمة في أجلها المعلوم بل وبعد مفاوضات جادة ومستمرة قامت
بها الحكومة الليبية وتحت طلب وإلحاح من رئيس الوزراء السيد (محمود المنتصر)
– رحمه الله – قدَّم السفير الأمريكي في (10 أغسطس 1964) رسالةً من الحكومة
الأمريكية تعلن موافقتها وقبولها لمبدأ الانسحاب من القواعد والجلاء منها
وقد صرَّح رئيس الوزراء السيد منتصر بهذه الموافقة في 22 أغسطس 1964م .. أي
أن عملية إجلاء القواعد الأجنبية أصبحت مسألة وقت ليس إلا ! .. لا أكثر ولا
أقل ! ... والحق الحق .. وعلى كل مافي الواقع الليبي في العهد الملكي من
مشكلات ومطالبات وإستحقاقات ومظاهر قصور وفساد – هي في الواقع أقل بكثير
مما هو موجود حاليا ً في ليبيا اليوم في ظل الثورة ! – إلا أن الحقائق
والشواهد التاريخية ظلت دائما ً تؤكد لنا ولكل دارس محايد أن الإصلاح
وتحقيق تطلعات الشعب الليبي كان ممكنا ً ومتاحا ً من خلال (البرلمان)(المجلس
التشريعي / مجلس الأمة الليبية) ومن خلال حرية الصحافة والتعبير وحركة
الشارع الملتحم بالمعارضة الليبية في مجلس الأمة وما تقتضيه هذه الطريقة
السلمية والديموقراطية في الإصلاح والتغيير من مراعاة الوقت والتدرج
والإجراءات القانونية والإدارية المتبعة التي هي من أهم سمات النظم
البرلمانية الدستورية ! .. فإصلاح المشكلات والتغيير وتحقيق المطالب
الشعبية بما فيها إنهاء أمر القواعد الأجنبية كان متاحا ً في ليبيا من خلال
المنظومة السياسية القائمة يومذاك بل وكان القرار بإنهاء أمر هذه القواعد
قد صدر بالفعل وقد تم شعبيا وسياسيا ً بالفعل وأصبح (تحصيل حاصل) وأصبحت
المسألة مسألة وقت لا أكثر ولا أقل أي وقت إنتهاء العقود المبرمة مع الدول
الأجنبية ! .. ولم يكن الأمر – بالتالي – يحتاج إلى توريط البلد في (إنقلاب
عسكري ثوروي) غامض يطيح بمكتسبات الشعب الليبي الحضارية والسياسية ويأكل
الأخضر واليابس ويحول الشعب الليبي إلى (حقل تجارب) للأفكار الإشتراكية
والفوضوية المستوردة !! .. ويمارس الاستبداد ويخلق الفساد وينصب المشانق
لليبيين في وسط المدارس والجامعات !؟ .. لم يكن الأمر يحتاج إلى إنقلاب
كهذا كي يتحقق إجلاء القوات الأجنبية أو تحقيق التنمية والعدالة لليبيين !
.. إلا أن حالة الفوران القومي التي عمت الشارع العربي والليبي بفعل شحن
الدعاية الناصرية المغرضة وكذلك حالة الإحباط العام التي إعترت العرب بما
فيهم الليبيون بسبب النكسة وهزيمة 1967 وكذلك رغبة الشباب الليبي المثقف في
التغيير والتجديد بسرعة وإستعجال النتائج وعدم النضج السياسي العميق –
بالإضافة إلى رغبة راسمي لعبة الأمم في إعادة تشكيل المنطقة !!؟ – كل هذه
العوامل مجتمعة ساهمت في التعجيل بإسقاط النظام الملكي وقدوم حكم
العسكرتاريا الإشتراكي (!؟؟) تحت دعوى تحقيق الجلاء والعدالة والحرية
والوحدة العربية وتحرير فلسطين !!! .... فإنهاء أمر القواعد – إذن – كان قد
أصبح أمرا ً محتوما ً في الأجل المعلوم – حسب الإتفاقيات – بل ولتأكيد هذا
الأمر وجدنا السيد رئيس الوزراء المرحوم (محمود المنتصر) – رحمه لله – بادر
في 23 فبراير 1964 إلى إذاعة بيان جاء فيه:
(... وإنَّه وإن كانت بلادنا في
فجر استقلالها قد اضطرّتها ظروف معيّنة للارتباط باتفاقياتٍ عسكرية، إلا أنَّ
ذلك لم ولن يحول بينها وبين مشاركتها لإخوانها العرب في كفاحهم ضدَّ
الاستعمار والصهيونية والتخلّف، وإنَّ هذه الحكومة تؤكّد تأكيداً قاطعاً
بأنَّه ليس لديها أيّ اتجاهٍ أو تفكيرٍ في تجديد أو تمديد الاتفاقيتين
البريطانية والأمريكية)
كما أكدت الحكومة الليبية يومها موقفها هذا للحكومة المصرية في مذكرةٍ
سلمها السفير الليبي في القاهرة (السيد الطاهر باكير) للجهات المعنية في
مصر يوم 14/2/1964 تضمَّنت صورةً من (قرار مجلس الوزراء) بشأن عزم الحكومة
الليبية على عدم تجديد المعاهدات مستقبلا ً على الرغم من أن الرئيس المصري
الراحل (جمال عبد الناصر) كان قد نصح من قبل ذلك الملك إدريس – رحمه الله –
عن طريق المرحوم حسين مازق عندما كان في زيارة لمصر – بعدم الإستعجال
والتسرع في إخراج القوات الإمريكية من ليبيا (!!؟؟) وهذا ما أكده المرحوم
السيد (حسين مازق) بشجاعةٍ أمام محكمة الشعب لدى محاكمته سنة 1970 (بعد
قيام انقلاب سبتمبر) ممَّا اضطرّ رئيس المحكمة إلى إسكاته ! .. ولم
يـُكذِّب رواية السيد مازق هذه أحد على الإطلاق حتى اليوم ممَّا يقطع
بصحّتها !! .... إذن فالمعارضة الليبية والحكومة الليبية توصلا إلى إتفاق
وقرار وطني بهذا الخصوص وأصبحت المسألة مسألة وقت ليس إلا وهذا ما أكده
أيضا ً السيد (بشير المغيربي) – رحمه الله – في مذكراته (وثائق جمعية عمر
المختار) – وهو من أبرز قوى المعارضة في العهد الملكي – وبالتالي ولكل هذه
الحقائق التاريخية نجد أنفسنا أمام حقيقة لا يمكن إغفالها أو التقليل من
شأنها وهي:
أن الجلاء وإنهاء أمر القواعد
الأجنية لم يكن يحتاج إلى (إنقلاب عسكري) وإلى (ثورة) فهو كان سينتهي حتما
ً وبطريقة سلسلة عام 1972 على أبعد تقدير بعد أن قررت الحكومة الليبية
بتأييد وضغط من المعارضة والشارع الليبي عدم التجديد لعقد المعاهدات
العسكرية مع بريطانيا وأمريكا ! .. أم تحسبون أن لولا الإنقلاب لما حدث
إنهاء أمر القواعد ؟ .. هل يقول بهذا عاقل ومطلع على حقائق الواقع وحقائق
التاريخ !!؟ .
تبقى هنا في مسألة القواعد
الأجنبية التي كانت في ليبيا حقيقتان لابد من الإنتباه إليهما وعدم
إهمالهما وهما مايلي:
1 – يجب عند التطرق لمسألة
القواعد الأخذ بعين الإعتبار الظروف والأسباب القاهرة والملابسات المحلية
والدولية التي أجبرت الليبيين يومها على القبول بتواجد القواعد الأجنبية -
على مضض - فوق ترابهم الوطني والتي يأتي على رأسها السبب المالي الإقتصادي
! .. فيوم عقدت المعاهدات العسكرية لم يكن تم إستخراج النفط بعد ! .. وكانت
ليبيا من أفقر دول العالم ! .. وكانت بلا بنية تحتية وقد خرجت من الحرب
العالمية محطمة بعد أن تحولت إلى ساحة للقتال بين الأوروبيين (!!؟؟) ..
وكانت في أمس الحاجة للمال لبناء البنى التحتية وإنقاذ الشعب الليبي من
حالة الفقر والمرض والجهل التي بات يعيش فيها ! .. ولعل أمريكا وبريطانيا
إستغلتا بالفعل حاجة الليبيين للمال يومها ! .. فكانت فكرة تأجير القواعد
لبريطانيا وأمريكا هي الحل الإضطراري والوحيد يومذاك ! .. وللضرورة أحكامها
كما هو معلوم ! .. ألم يضطر القذافي (الصقر الوحيد) أن ينحني أمام قوة
وجبروت أمريكا وأن يدفع التعويضات الباهضة من مال الشعب الليبي وهو مثل (الرجل
الطيب) وأن يسلم برنامجه التسلحي للعم سام وأن يطلق سراح من إعتبرهن القضاء
الليبي قاتلات أطفالنا إمتثالا ً للإرادة الإمريكية والغربية !!؟؟ .. ألم
يفعل ذلك تحت بند الضرورة والإضطرار !!؟؟ .. فكيف بالحكومة الليبية في ذلك
العهد وكان الشعب الليبي يومها وكما حدثتني والدتي – رحمها الله – التي
عايشت تلك الحقبة بنفسها يعاني من الفقر المدقع وخصوصا ً في المدن !؟؟ ..
فللضرورة أحكامها .. والضرورة تقدر بقدرها وتنتهي بإنتهاء أسبابها الملجئة
إليها ! .
2 - هذه القواعد لم تستخدم أبدا
ً – ولا في أي يوم – ضد أي دولة عربية أو مجاورة على الإطلاق .. وكل ما قيل
حول إنطلاق طائرات من هذه القواعد لضرب مصر هو ليس سوى مجرد أكاذيب وتخاريف
عجائز لا علاقة له بالحقائق التاريخية من قريب أو بعيد !! .. ويمكنك
الإستماع على هذا الرابط
(*)
إلى خطاب الزعيم عبد الناصر نفسه وهو يبرئ ليبيا من مثل هذه التهمة الشنيعة
الباطلة ويحيي الموقف المشرف للملك إدريس – رحمه الله – الذي هدد الإنجليز
قبيل العدوان الثلاثي أنهم لو إستخدموا قواعدهم ضد مصر فسيطردهم من ليبيا
!! .
سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يعيش في المنفى
الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
مقالات سابقة للكاتب:
تعليقـــــــــــات القـــــــــــراء
عبد القادر سعيد: شكرا
علي هذه المعلومات تعرف ياسيد سليم الجيل الجديد في ليبيا لايعرف تاريخ
بلادها نسبة كبيرة في البلاد يعقدون ان القذافي هو الذي طرد الامريكان
والانجليز والطليان ليس لديهم أي فكرة علي المعاهدات التي كانت بين الحكومة
الليبية والامريكان او غيرهم يعتقدون انه احتلال.
ليبي بالخارج:
ههههههههههههه قالك هدد الملك بطرد الانجليز تبصر يا رقعى.
|