في مغربية شبه
صافيه ومن زجاج نافذةُُ غطاها الغبار, وبين حمرة أوداج شمس الغروب, تسلل ضوءُ
يحملُ في طياته بعض من الأوراق المتشرده التي تمردت أحزانها على ألام أحلامها،
فأنطقت أحرف كلماتها رصاص بنادق ثأرٍ، تؤلم الأكتافَ في منعطفات الدروب،
لكنها مرتبطةٌ بحبال القلب الواقفة على أزقة الزمن المرّ، تصّوبُ نارها صوب
دُب يبدع في اغتيال ألوان الطبيعة، وتدمير أغصان الأحلام، وذبح ذاكرة الأرض
وذكريات التاريخ، فيوشم في قلوبنا أخاديد من الأسى، تروي حكاية وطنٍ سلّمه
القدرإلى سفاح يدينون له بالولاء، تعزف سياطه لحن الدكتاتوريه ويلبس قناع
الحريه, ويفكك بفوضاه بنيته الفوقية والتحتية ونسيجه الاجتماعي... رصاصه
القاتل رسَمتْ حدوداً بين الصمت والصحوة, بين النوم واليقظه, بين ان نكون او
لا نكون... وأتساءل... أين يذهب النداء ولمن الكتاب الثالث " القرأن الكريم"
وهذه العمائم وألأرواب وهذا الركوع وهذا السجود والتذرع والخشوع وفي أخر
الأمر أنبطاح كلي وصمت مطبق كصمت الأخرين... عمائم تراها علي الرؤس ما هي الا
ضمدات تدل علي ان شيئاً في الرأس قد تعطل, عمائم تََسَْبَِِحُ عكس التيار
ليجرفها الي دوامة الجهل الغامض, ألي العداء مع كل ذرات مجتمعنا... دمار بلا
حدود ووطن معلق علي منصة الأعدام... أي مبادئ دين هذا الذي تزعمون إنتسابكم
إليه؟... فسبحوا بحمد ربكم حتي يأتيكم اليقين... قهر... لآنني لمحت دمعة في
عيون طفل... صفعت نفسي ولم أرحمها... وتمنيت ان أصفع خد كل انسان ليبي تسبب
في مولد تلك الدمعة المذبوحة علي جدار تلك البراءة... تمنيت لو نزعت جميع
أنسجة ما تبقي من قلبي... عقلي... جسدي... كي اغزُلََها واطويها واجعل منها
مِنديلاً أمْسح به تلك الدمعة الحائره... قهر... دُفنت براءتي, ومُنِحت أوسمة
الخداع... أنا لم أعد أفقه شيئاً, أعترف بغباء صدقي, وبهذيان أمنياتي التي
بنيت منها متسعاً, ولكنني سكبتها علي مشارف العمر التي أبتلعت أيامه عتباته
المبخوسة... كل أحلامي أستحالت خطوط ثعابين تلدغ بسمات هذا الجسد المكوي
بحرقة الطعنات الممدودة في قاع الحزن الأسود... أستجدي حياتي من موتي,
وأستجدي حريتي من براكين جلادي, وأروي للسماء ظُلم سفاح... وأكتب للأرض بقايا
أنسان يعيش في ذاكرة النسيان مع قلم وبعض من الورق والوقت وأربعة جدران.
ثم تلاشت حمرة
اوداج الشمس, وبدء المغرب يدق علي زجاج تلك النافذة, وبكت السماء... وأنهمرت
دموع القمر لتخترق جدران الزمان, ودُفِنت الكواكب وأُقِيمَ لها مآتِم في مأقي
السحاب... نحيب... دموع... كواكب... مآتِمْ... كلها دقات ُعلي عتبات أبواب
جرح قلبي... وسالت دموع خاطري, وأنسكبت دموعي أجباراً, وبقي العقل شارداً
يبحث في أطياف وخيالات الماضي, ولم أجد ما أمسح به دموع خاطري الذي أنكسر, أو
أملي الذي فُقِدْ وأستسلمت لحبال الزمان... قيدي يا حبال الزمان ما تبقي من
قلبي... بل عانقي عنقي, وقبل أن تقتليني ألبسيني وشاحاً من بياض الضباب...أنسجي
لي عقداً من زهرة الخيال وتوجي بها رأسي ودعيني ألقاها قبل منامي فقد قتل
الأمل بسكاكين الألم... غداً ستُحْملُ أقلامي بنادق... واليوم دموعي مداد
اكتب فيها رسالة أعتذار, نُبْدي ندما علي ما فرطنا فيك يا ليبيا يا ذات الصدر
الكبير... اليوم نرفع أصواتنا متبرئين من لؤمنا, من جورنا, من ضعفنا, من كل
ما أسرفناه في أمرنا بحقك... اليوم ادركنا كم كنت أماً للجميع وكم خانك
الجميع... فسامحينا أيتها الأم الحنون فلم نكن ندرك عظمة الثدي الذي رضعنا
منه وكنا أبناء عاقون... أنتحبت براءتك... وماتت في قلوبنا... هجرناكي
وألقينا بكي في غياهب الحب وهرعنا خلف زنديق البسنا ثوب العار والذل والمهانة
التي غيرت نفوسنا وأهدرت أنسانيتنا... وها أنا يا ليبيا ألملم بقايا قلم حائر,
أجمع فتات الكلمات الهاربة وأنثرها عبر نسمات الريح التائهه, أتصفح بقايا
معانات لاهية وأقطف ورود الندم وأزفها عروسا لبحر الندم... ألَمُُ ُ ينمو في
رحم الزمان... أُلَملِمُ شتات أفكار بائسة نسختها خيوط أملٍ ضائع... خذي يا
ليبيا... خذي من دمي، فأشجارك عطشى, ونخيل التاسع والثلاثين يشكوا الظمأ...
وزهور الياسمين في درنه ذبلت يوم أن تاهت بين أقدام العبيد فداسوها وتركوا
لنا ذكريات الذبح والصمود...خذي بقايا أهاتي, زفراتي, أنفاسي وأتركي لي دمعة
هذا القلم الثائر لأعانق القلوب الجريحه ومدناً ماتت... خذي حنيني واشتياقي...
فالشوق أليكي لا ينتهي... يكبر مع كل دمعة أهمرها... وأبقى أنا -أسير الحنين-
أواسي أنفاسي بأمل اللقاء, أحتضن الموت وأبحث في قواميس العدم عن لهجاتك
الليبيه ولا أجد يا ليبيا سوي كلام وسلام وندم... أبحث عن مجدٍ أضاعه الرجال
وتخنثوا وصاروا أنذالاً وتمرغوا في وهم الأصلاح والحراك والأوحال... يبحثون
عن نصر بين رقص وأنبطاح... طعنوكي يا ليبيا... طعنوكي في عمق الضمير ودفنوا
حريتك تحت تراب النسيان... وفجأة أجابت ليبيا بأحتضار... تعال بين احضاني
لأنك الأحق والأبقي... لأنك كنت تدرك مكان الشوك وتقتلعه وتزرع الورد في
دروبي تسقيه دماء الشهداء... تعال بين أحضاني وأحفر خارطة أرضي فوق الجماجم
بالقنابل, بالسنابل, بالجراح وستري عيوني تقابلك بالزهر المقفي بالجهاد
والكفاح... تعال بين أحضاني... تعال بين احضاني... تعال بين أحضاني شهيداً
فأنت الوطن... أنت الوطن... أنت الوطن... تعال بين احضاني لتراقصني في الحفل
السنوي لذكرى الشهداء والذي سيعقد في الفردوس الأعلى في صالة صدق عند مليك
مقتدر...
وتسللت كلماتها
هذه من تحت وسائد الصبر, منبثقة كفراشات تبحث بين أروقة الياسمين عن
عبيرلملمتها من صدور الشهداء, وتََمَرًّدْتُ علي اوراق الصبر, ألملم الحروف
من نبرات مشاعري وأكتبها صمتاً وفي صمتي بركان, وبدت وكأنها كلمات تهرول
مثقلة حزناً صوب نوافذ الذكري, يفتحها عزف وتر عود وناي حزينان يثيران شجن
الشوق, وبدء المغرب يعزف أنشودة الرحيل وتراقصت الطيور على أنغام النحيب...
وأنسلخ القلب وخلع ثوب الاشتياق لقلوب مزقها الشوق لذكر ألأحبه وعقول تناست
الحاضر لتبحر في ذكريات الماضي... ومزق الصمت رداء الظلام لينبعث نور الحقيقة...
لتطوف بالنفس الغافية على أرصفة الزمن المكبل بحلقات البحث المتطايرة, معذرة
أيها الأحبة لأنني أحاول أن استأصل أوصال ذاكرتي القريبة لاحمي ذاكرة سنين
تشبه وجه ليبيا المفعم بالمستحيل والابتسام، معذرة لأنني أحاول الهروب من
وجعي فأغلق أبواب نفسي المولعة بالحنين حتى لايدخل الإغراب بأقنعة الأصحاب،
معذرة لأنني لم اعد احتمل مشهد وطن يذوي أمام ناظري ولا استطيع فعل شئ حتى
مجرد كتابة مقاطع غزل بحق تاريخه وجغرافيته, معذرة لأنني جبان وليس بمقدوري
مواجهة مشهد وطن ينحره أهله كل يوم ليقدموا لحمه الشهي على موائد الأعداء،
أتراكم أيها الاصلاء تعرفون من هم الأعداء؟... معذرة, فهذه هي حكمة الموت
الليبي في الزمن المفخخ والمطرز بالنّدى والنّار... حين فتشوا قلب من أستشهد
في حرب تشاد ومن مات بالنوبة القلبيه من شعبنا يوم أول سبتمبر لم يجدوا فيه
سوى ليبيا... وحين حدقوا في الرؤوس التي تطايرت تحت رصاص مجزرة ابو سليم كان
الأزيز حمامًا يكتب في السماء تحيا ليبيا... وحين ارتجفت الأرض ومادت ساعة
المشانق، وقف البحر كالسيف وقال: أنا خارطة الزمان المفخخ... أنا أرملة
مقاتلة تدعى ليبيا... هذه حكمة الموت الليبي في زمن الركوع... لا يعرف العشاق
أين سيلتقون في السجن ام في المنفي ام في ظل ورده... أنطوي يا ستائر الحياه,
وعانق يا وتر العود عبث الألحان, فضميري تبلل بالندي وقطراتي أوشكت علي
السقوط... قد نموت على قمة المجد كالأنبياء... وقد نموت على مزبلة التاريخ
كلصوص حقراء.
وواصلْتُ خط حروفي
هذه في ظلام يتخلله ضوء الشموع ونورها الهادئ, وأعْلنتُ ثورتي علي هذا الورق
المتمرد وصارعته في حرب المشاعر, لأعود بذاكرتي لزمن مضي وألي سطور كُتِبتْ
في لحظات ألم, محاولا أستعاب شوق, حاملا جبروت شوقه ألي هذه السطور البسيطه
التي يكتبها قلمي الحائر... فتراخت عضلات قلبي حتى أعتصر الألم من غير صراخ,
فباتت في حياتي لحظات كبيرة... فها هي الخيانة كبيره... والمشاعر باردة....
والتصرف في سذاجة أكبر...وها هوغمدي خالٍ لا سيف فيه، ولا أملك سوى هذا
السلاح, سلاح الكلمة... أجدني أحمل قلم الحبر ثقيلاً، أحاولُ أن أجعل منه
سهماً ينفذ إلى قلوبهم، أحاولُ أن أحيي كل الأفكار النائمة لتنتفض مجدداً،
وتغدو حقيقة وعملاً... مللتُ من الكتابة، كما ملّوا مني القراء, مللنا جميعاً
من الكلام, وآن الأوان أن نفعل شيئاً, فالدماء التي تجري في عروقنا ليست ملك
لنا أنما هي ملك لليبيا متي طلبتها وجدتها... وتتسارع عقارب الساعة تنهب من
العمر لحظات الضجيج القاتمة, ويطل من خلف الشراع الملقى على ميناء الحياة خيط
رفيع بلون اللاشيء بريقه ظلام وظلامه وهج يحمل معه مأساة وطن معلق في اعناقنا...
ستبقي يا ليبيا الوانُُُُ ناصعة نقية طاهرة مهما سيقت إليك الغيوم السوداء,
لن تُغَطى سماءك, ستبقى منارة القلوب وقبلة الأفئدة يا وطنا استوطن الروح ويا
نورا تمركز في لب عيني, بالأمس كنتي يا ليبيا بسمة وديعة مكانها القلب
وصورتها الأمل المرسوم على جبين المستقبل واليوم أصبحتي دمعة بائسة تسيل على
الطرقات والأزقة محاولة جرف روح التآخي والتراحم, ومعاني التصبر... لعنة الله
عليك, يالجهالة كم حصدت حمامات سلام... فأنا يا ليبيا, بدمي سأشتري كل أيام
الضياع وأرمي حزن هذا القمر ورائي علي ليل لبسني ويلبسني... للأمل المرسوم
على قمم الجبال الطاهرة, للقاء المسلوب من شفاه الصيف الجامع, للرصاص
المفروشة في الصحاري وعلى الأرصفة الأبية, وللذعر المخيم في قلوب الفراشات
الندية, عندكم أهاجر آهاتي وعندكم أخفي حسرتي.
اللهم يا رب... يا
مُنزِل الكتاب، اللهم يا رب... يا مُسير السحاب، اللهم يا رب... يا هالك
الأحزاب، اللهم أهلكهم بِدَدًا، ولا تبق منهم أحدًا، واشف اللهم بذلك
صدورالشرفاء. وهذا- يا أحكم الحاكمين- دعائي أرفعه إليك على الغمام، مع دعاء
الثكالى والمظلومين؛ فهل من استجابة عاجلة، يا أرحم من سُئل، ويا أكرم من
أعطى؟ أميــــــن...
مقالات سابقة:
دمعةعلي خد الوجود
عدت
يا يوم مولدي
لا صوت لي... ولكن علي أن أتكلم
خيال... حقيقة... أم جنون
نيران صديقة
سوف تشرق
ليبيا بنور ربها
دعني أعلمك أدب الحديث
أمركة التاريخ
|