توفي يوم 03جويلية
2008 المفكر المصري عبد الوهاب المسيري بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان وهو
يعتبر من ابرز المفكرين المصريين نظرا لغزارة إنتاجه وموسوعيته في الشأن
اليهودي-الصهيوني إضافة إلى انخراطه في النضال السياسي ضد الاستبداد .كيف
تحدى هذا المفكر ثالوث إسرائيل,الاستبداد والسرطان ؟
ولد عبد الوهاب
المسيري سنة 1938 في مدينة دمنهور, التحق سنة 1955 بقسم اللغة الانكليزية
بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعين معيدا فيها عند تخرجه, سافر إلى الولايات
المتحدة وتحصل هناك على الماجستير سنة 1964 والدكتوراه سنة 1969. عند عودته
إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية وإسلامية مثل
جامعة الملك سعود وجامعة ماليزيا الإسلامية. ألف عشرات الكتب في مواضيع شتى
بدءا من اختصاصه الأدب الانكليزي إلى الفلسفة والسيرة الذاتية, إلى قصص
الأطفال مرورا بالكتب التاريخية والأدبية .وقد انتبه العالم إلى تميزه وأصالة
أفكاره فترجمت أعماله إلى لغات عدة منها الانكليزية والبرتغالية والفارسية
والتركية ...
يعتبر موضوع
اليهود واليهودية والصهيونية مركز اهتمام المسيري وقد خصص له الكثير من الوقت
والجهد وكانت كتبه وأفكاره في هذا المجال تحديا مباشرا للكيان الصهيوني, بدا
مفكرنا بالكتابة عن هذا الكيان الغاصب بعد هزيمة 1967 وقد صدر له في هذا
الموضوع عدة كتب أهمها: "نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني"
(1972) "موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية رؤية نقدية" (1975) "نقد
الصهيونية السياسية" (1977) "الايدولوجيا الصهيونية" (1982) "هجرة اليهود
السوفيت منهج في الرصد وتحليل المعلومات" (1990) "أسرار العقل الصهيوني"
(1996 ) "انهيار إسرائيل من الداخل" (2002 ) "الصهيونية وخيوط العنكبوت"
(2006) وهذه عينة فقط من كتبه في مجال اليهودية والصهيونية. وتبقى موسوعته
الشهيرة: "اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد" (1999) التي قضى
في كتابتها قرابة ربع قرن ابرز ما كتب في هذا المجال وبفضلها تحول المسيري
إلى احد ابرز المؤرخين عالميا في موضوع اليهودية والصهيونية كما حولته هذه
الموسوعة إلى خصم عنيد لإسرائيل خاصة انه كشف هشاشة أسسها وزيف عقائدها
وانسداد أفق مستقبلها حيث شبه الدكتور المسيري إسرائيل بدولة المماليك رافضا
أن يعني ذلك أن تستمر 267 سنة وهو عمر دولة المماليك بل تنبأ بانهيار دولة
إسرائيل بعد 50 سنة اعتمادا على أسس علمية وتاريخية وهو يؤكد أنها تتقهقر منذ
60 ت القرن الماضي ويستشهد بحرب صيف 2006 ضد حزب الله والتي أكدت حسب رأيه أن
إسرائيل قابلة للهزيمة وأوضح قائلا: "في حروب التحرير لا يمكن هزيمة العدو
وإنما إرهاقه حتى يسلم بالأمر الواقع" وقد جلبت له هذه الأفكار غضب إسرائيل
واللوبي الصهيوني – الامبريالي ولهذا تمت محاصرته إعلاميا وتحجيمه حتى لا
تنتشر أفكاره بين العرب والمسلمين أولا وباقي أحرار العالم ثانيا.
الدكتور المسيري
لم يكتف بإغضاب الصهاينة فقط بل انخرط في مقاومة الاستبداد الداخلي في مصر من
خلال مساهمته في تأسيس الحركة المصرية من اجل التغيير المعروفة اختصارا بحركة
كفاية وكان عضوا فاعلا فيها وفي أواخر 2006 تقلد منصب منسقها العام خلفا
لجورج إسحاق وهو ما يعني انه أصبح رأس حربة في وجه نظام الاستبداد والفساد في
مصر. ورغم كبر سنه ومرضه كان المسيري ينزل إلى الشارع في كل المظاهرات التي
نظمتها حركة كفاية ولأنه كان دائما في الصفوف الأولى للمتظاهرين فقد تعرض إلى
الضرب والدفع والإيقاف عديد المرات. وقد مثلت مواقف المسيري المنحازة إلى
تطلعات الجماهير المصرية تحديا مباشرا للنظام المصري الذي عمل هو الأخر على
محاصرته وتحجيمه قدر الإمكان بل إنه امتنع عن تحمل مصاريف علاجه بعد اكتشاف
إصابته بمرض السرطان ربما أملا في قيام السرطان بالقضاء سريعا على هذا المفكر
حتى يستريح من متاعبه ومشاغباته.
مثل السرطان
التحدي الثالث الذي واجهه المسيري وتعود علاقته بهذا المرض إلى سنة2001 حيث
خضع لجراحة في الظهر اكتشف الأطباء خلالها إصابته بسرطان الدم وهو ما يستوجب
سفره إلى الولايات المتحدة لتلقي علاجات متطورة, فقدم المسيري طلبا إلى وزارة
الصحة المصرية حتى تتكفل بمصاريف علاجه إلا إنها لم ترد عليه ونتيجة تدهور
حالته الصحية كتب احد أصدقائه مقالا في جريدة عكاظ السعودية واصفا حالته
وحاجته الاستعجالية للعلاج وهنا تدخل احد الأمراء السعوديين وتكفل بكل مصاريف
علاج المسيري وهو ما مكنه من السفر إلى الولايات المتحدة حيث أجرى عملية زرع
نخاع شوكي. على كل رغم مرضه وآلامه ومعاناته واصل المسيري رحلة الكتابة
والإبداع والنضال ولم تتوقف مسيرة الرجل مع اكتشاف مرضه بل إن سنوات مرضه
كانت مليئة بالعطاء والانجازات وهنا تكمن قيمة هذا الرجل وقوته وشجاعته
وبطولته وتحديه للسرطان, تصوروا ليلة وفاته وهو على سكرات الموت أرسل إلى
الجزيرة نت مقالا من 3 أو 4 صفحات.
هذا هو عبد الوهاب
المسيري, بطل من هذا الزمان, بطل في هذا الزمن العربي الأسود, وللأسف بقي هذا
البطل مغمورا في تونس ولهذا أخذنا على على عاتقتا كتابة هذا المقال للتعريف
به وبمؤلفاته وأملنا أن يجد هذا المقال صدى لدى القراء الكرام لالتفات إلى
هذا الاسم والبحث عن كتبه الكثيرة وقراءتها بكل تمعن وهو اقل ما يمكن أن نفعل
حتى نواصل مسيرة التحدي التي بدأها هذا البطل ضد الصهيونية والسرطان
والاستبداد.
تعليقـــــــــــات القراء
|