مــن
الاشــياء الضـروريـة والـرئيسـية لاى حكـومـة مـتحـضــرة وضـع خـطط
الـتنـميــة عـامـا, وخـطــة الـتنمــية البـشــريــة خــاصـا. وفـى الـغرب
تـقـوم الـحـكـومـة عـلى مـسـتويـاتــها الـثلاثــة - المـحلـى كمـدينــة,
والاقـلـيمـى كـمقـاطـعـة او ولايــة, والفـدرالى او المـركـزى كـدولــة
متـكــاملــة - بتـوفـير الازم مـن الـخـبرات لـوضـع بـرنامـج الـتنمـية
والاشـراف عـلى تنـفيـذهـا. وتـوفـير الازم مـن المـال كمـيزانيــة محـددة
وكـافيـة لتـغـطيـة الخـطة لـعدد معـين مـن السـنوات. وفـيمـا تـقـوم "الجمـاهيريــة
العـظمى" بـدورهـا الـريـادى العـالمى كـدولـة ذا شـأن فـى مجـلــس الامـن
(!), وكـدولـة لـها ثـقـلهـا الجـغـرافـى فـى حـوض المتـوسـط والـقارة
الافـريـقـية, فـأنهـا تهمـل اهـم واثمـن مـا يمــكـن ان تفـتخـر بــه اى
دولـة: شـبابهـا الـذى يقـع عمـره مـا بـين 16 الـى 38 سـنة.
وفى دول العـالم
اللتى يحـترم فيـها الانســان تـكـون من مســئوليـة الدولـة ان توفـر فـرص
العمـل لمـواطـينيها, وعـنـد عـدم تـوفـرهـا, تقـديـم المسـاعـدة المـالية
وتأهـيـل المـواطـن واعـادة تـدريبـه لمـهـن يتظــافـر ســوق العـــمالــة
عـلـى نيـــلهـا.
الشــباب فـى
لـيبيـا اليـوم محـاصـرون عـلـى عـدة جبـهات: الفسـاد الاخـلاقـى والجنـسى,
الضــياع فـى مصـيدة المخــدرات وادمـانـها, البطـالـة ومـلل الفـراغ,
الانخـراط فـى عصـابـات تسـتغل المـواطنين وتـرهـبهــم تحـت غطــاء الثـوريـة
وبـغــرض الهـيمنـة والطمــع. ولا يحـفـظ هـؤلاء الشــباب مـن هـذه الفـواحـش
الا تمـسكـهم بــهـدى البــارى وانشـغـالـهم بالعمــل فـى وظيــفـة مـثمـرة
وبنــاء الـوطـن. مــن الهـــأم جــدا تــوجيـه طـاقـات الشــباب
والاســتفـادة مـن ابـداعهـم وانتــاجـهـم الخــلاق فــى دولــة متــأخــرة
تمـــر بأحـــلك فــترات نمــوهـــا. ارى ان هــدة القـضيـــة اهــم مـن
مـواضـيـع اخـرى تافـهـة تـضـيـع الحـكـومـة فيــها الـوقـت والجـهـد والمـال.
وفـى الـوقـت
الـذى يـكون فيـة الانســان - فـى فـترة شـبابـه - فـى قمــة قـدرتـه عـلى
الاسـيتـعاب ذهـنيـا, والعمـل المـضنـى جسـديا, والابـداع والابتـكار فـكـريا,
تتـسـم نـظــرة الـدولــة اللـيبيــة بالـجمـود وضـيق الافـق حـيال فـئـة
الشـباب ومتـطـلباتهـم. فكـل حسـبانـها هـو التكـلفـة الماليـة العـاليـة
لهـذا القطـاع الـذى لا يـؤتى ثمـاره الا بعـد سـنين عـدة مـن الاعـداد
والتـأهيـل.
فـعنـدمـا ينـهى
الـكثـير مـن الشـباب دراسـتـه فـى المعــاهـد والجـامعــات المخـتلفـة
بجـدارة ومثـابـرة, يجــد نفـســه محــبط ومهـمش لعـدم وجـود فـرصــة للعـمل
الشـريف فـى بلـده بالـرغـم مـن السـعى - لشـهور وسـنوات - والبحـث عـن عمـل
ينـاسـب شـهادتة العلميــة . ويلجــاء البـعـض منهــم الـى الهـجــرة الـى
اوروبـا وكنـدا وامـريكـا هـروبـا مـن المـلل ولقـسـوة الحـاجـة والفقـر.
ومـن كـان اسـواء حـظا, يكـون فـى الحـضيض نفسـيا, وغـير قـادر عـلى
الاسـتقـلال المـالى والقيـام بالـزواج ومتـطلبـاتــه. ولـو تـرك الامـر
لسـيف وجمعـيته لمـا تحصـل الشـباب عـلى اى مـن مطـالبـهم. امـا جمهـرة
حفـلات الزواج الجمـاعى والبعثـات الدراسـية الالفيـة للخـارج فهـى حمـلات
اعـلاميـة لـتزيـين صـورة ولى العهـد الجـديد للنـاس , ومحـاولة تسـويقـه
لخـلق شعبيـة لـه فـى الشـارع اللـيبى.
واذا تمعـنا
جيـدا فيمـا يحـدث فى الـوقت الحاضـر, ومـا ينـبىء الحاضـر بحـدوثـه فى
المسـتقبل القـريب, فأننـا نجـد انـه لاشـىء ذو أهميـة سـيحدث ليحـقق للشـباب
حـقوقهـم, ويجـعل مـن امـانيـهم حقيقـة قائمـة بـدلا من حلـم يتـبخر تحـت
شمـس الـواقع البغـيض.
أذا, نـصل الـى
نقطـة التسـاؤل الحتميـة: مـا العمـل ؟ وكيف يمـكن وضـع استـحقاقات هـذه
الفئـة الاجتمـاعيـة الواسعـة فى قائمـة أولـويات سـلطـة "العـظمـى" ؟
ارى انـه من
الضـرورى التـوقف عنـد هـذا السـؤال لـكل شـاب ليـبى داخل مـدن لـيبيـا
وقـراها الطيبـة, خاصـة اذا عـرف ان سـعر الـنفط تضـاعف لثلاثـة اضـعاف فى
السـنتين الاخـيرتين . فـأين تـذهب كـل هـذة المبـالغ الهـائلـة ؟ ولمـا لا
توظـف بعـض هـذة الـثروة الـطائلـة فى خـدمـة وتحسـين وضـع الانسـان الليبـى
ككـل, والشـاب الليـبى خـاصـة ؟
يسـتلزم الشـباب
القيـام بقفـزة نوعيـة فـى طريقـة التفـكير, وتبـداء هذه بعمليـة استيـعاب أن
ضمـان متطـلبات الشـباب هى مخـاض اجتماعـى قبـل ان يكـون سـياسي. وأن
اسـتجداء اى شخـص فى سـلطة الفسـاد القـائم لهـو قصـور لايؤصـل ثقـافــة
الحقـوق فى الدولـة , وفيـه الـكثير مـن المذلـة والخنـوع. ولنــا العـبرة فى
ديـننا الحـنيف الذى يعلمنـا ان اللّــه كـرم بنى أدم واحب لهم العـزة وسمـو
النفـس . فهـل فـى اسـتجـداء "اوليـاء الامـر" المنـغمسـين فى الظـلال
والظلـم اى عـزة او عفـة ؟
السـؤال لـكل
شـاب فى لـيبيـا - ثورى وغـير ثـورى, نشـط وغـير نشـط - مالـذى يضـيرك من
تـوقـع حقـك كامـلا فى وطنـك ؟ نعـرف حيـدا ان الامـكـانات متوفـرة بغـزارة
للدولـة لاسـتغلالهـا فى الرقـى بالمجـتمع ككـل.
فمــا انــت
فــاعـل حـتى تســمع لـك الــدولــة ؟ ومـا هـى الاســالـيب المخـتلفــة
لفـرض وجــودك ونــزع حقــوقــك ؟
ليـس مـن
الضـرورى البحـث عـن الاجـابة فى تـراث المجـتمعــات الاخـرى - حتى وان كانـت
مفيـدة وغـزيرة الامثــلة - ولا يتـوقع أحـد ان يتحـول الشبـاب الى عمـر
المختــار, او جيفـاره -, او غــانـدى, او حـتى ليـك باوينـزا باسـاليبـهم
المختلفــة . وانمــا يفـترض ان يجـد الشــاب ضــالتـة فى ايمــانـه, ويشـد
عزمـه بتـقـوى اللــه وحـب الـوطـن ومـن فيـه. والتـاريخ يعضــنا بان قبـل كل
اشـتباك عـنفى , كــانت هنـاك مجـابهــة ســلمية, حـاول طـرف مـا (عـادة
الاضعـف او المسـلوب حقـه) الـوقـوف عـاليـا مطـالبـا بصـوت جهــورى بكــل
مسـتحقاتـه . وعنـدما لايسـمع احـدا, ينتـقل الصـوت الجهـورى الى الشـارع فى
تظــاهـرة ليصـبح الـكلام عمــلا جــادا - كـخطـوة اولـى لما قـد يتـبعـه -
تتفـاعـل معـه قطـاعات المجـتمع الاخـرى, ويرغـم السـلطات علـى قبـول
مطـالبـه. وأيضـا, يلفـت نظـر المجــتمع الـدولى كتعــبير واضـح لـرفـض
الشعـب لجــلاديـه, وبالتـالى سـقوط شـرعيـة السـلطة ان وجـدت أصــلا !
بالتـاكيــد, اذا اراد الشـاب الليـبى حقـه كــامـلا كانسـان, فـلا سـبيل الا
الوقـوف عمـليا ضـد الظاـم والاسـتبـداد حتى وان كان غـير ممـتلك للـوعـى
الســياسـى بالكـامـل.
وفـى نهـايـة
الامـر, سـيكـون لـكل منــا حـقــه فى اختيـار اسـلوبه فى العمــل, ولـكن (الصــامــت
عـن الحـق شـيطـان أخـرس). واللـه ولى التـوفـيق.
محمـــد التـاجــورى
|