كان القذافي
يحرص على لقاء الكتاب والمثقفين المصريين، في معظم زياراته لمصر. كان يجلس
أمامهم بزيه البدوي، ليحدثهم عن مباهج الاشتراكية، ونعيم سلطة الشعب، ولكنه
هذه المرة فضل لقاء بدو سينا، وبدو الصحراء الغربية، كما استحدث في مصر
رابطة جديدة اسمها رابطة مواليد الفاتح، وتوجد في ليبيا رابطة بهذا الاسم،
تضم كل من ولد يوم واحد سبتمبر 1969، وهو اليوم الذي نفذ فيه العقيد
القذافي انقلابه العسكري، ويبدو أنهم لم يجدوا في مصر عددا كافيا ولد في
نفس هذا اليوم، فوسعوا الرابطة لكل من ولد في شهر "الفاتح"، وهو الاسمي
الرسمي في ليبيا لشهر سبتمبر أو أيلول الأخضر، وتجمع الرابطة الجديدة
مصريين من الحضر والبدو، ولكنهم على الأرجح سينتهون إلى قبيلة أخرى، ذلك أن
القذافي يفضل التعامل مع القبائل على الأحزاب، والبدو على هؤلاء الذين
يطالبون بالإصلاح، وينحشرون في اتحادات ونقابات، حيث لا يجدي التفاهم مع
النقيب العام، الذي قد يختفي في أول انتخابات للنقابة، أم شيخ القبيلة فهو
هناك مدى الحياة.
في زيارته الأخيرة
إلى مصر حاول القذافي ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فمن جهة يريد تحشيد بدو
المحروسة لتطورات سياسية محتملة في مصر، في مقدمتها سيناريو التوريث، ليؤكد
هذا السيناريو في ليبيا، فإذا نجح التوريث في مصر فلماذا يفشل في ليبيا، لهذا
اقترح القذافي على أولئك البدو الذين تم تجميعهم بعوائد ارتفاع أسعار النفط،
أن يعودوا إلى الدولة الفاطمية، وهنا كشف القذافي عن هدفه الآخر، فهو يرى أن
الدولة الفاطمية توحد الشيعة والسنة، أكثر من القومية العربية التي رفع
شعاراتها سنوات طويلة دون جدوى تذكر، قبل أن يتضح أنه إفريقي حقيقي، ولكنه
انتبه متأخرا إلى أن الخيار الإفريقي يمر بأدغال حقيقية، ففضل العمل في
البوادي حيث كل شيء مكشوف وصحو.
كان القذافي قد
حذر الأفارقة من الفشل في إعلان الحكومة الإفريقية، وفي قمة شرم الشيخ لم
يعلن ألأفارقة عن هذه الحكومة، بل انشغلوا بموغابي حاكم زيمبابوي الأبدي، وهو
ما أثار حنق القذافي، وعجل بخياره البدوي على خيار الأدغال.
حتى ينجح الخيار الجديد وظف له 10 مليار دولار سيتم ضخها خلال عامين، وهو
تقريبا نفس الرقم الذي ضخه القذافي في اقتصاد بريطانيا، فرنسا، وأسبانيا، دون
أن نعلم على وجه الدقة ما تم ضخه في الاقتصاد الأمريكي، ويبدو أن القذافي على
استعداد لدفع مبلغ أكبر من ذلك الذي سبق أن دفعه، من أجل الترحيب بالاتحاد
المتوسطي الساركوزي، وهو ما يحاول إجهاضه الآن، من خلال التهديد بالتغيب عن
حضور القمة المرتقبة في منتصف الشهر الجاري، وإذا نجح في تحييد المصريين
بعشرة مليار، لم يدفع منها إلا 2 مليار، هي قيمة الاستثمارات المصرية في مصر
حاليا، فإنه سيعيق قيام هذا الاتحاد.
يخشى القذافي أن
يتطور هذا الاتحاد من إتحاد اقتصادي، يهدف إلى وقف الهجرة شمالا، إلى كومنولث
يدقق في مواصفات أعضاءه، ومدى مطابقة أنظمته للمعايير الدولية لحقوق الإنسان
والديمقراطية، فالهجرة لابد أن يكون لها أسباب موضوعية، وحتى الإرهاب كذلك،
وهو ما يجعل أصابع الاتهام تتردد بين توجيه الاتهام إلى المجتمع أو إلى
الأنظمة الحاكمة.
في تقديره يرى
القذافي أن المواجهة مع الغرب كما في أزمة لوكربي، لم تعد تستدعي اللجوء إلى
أدغال إفريقيا، فهو عضو غير دائم في مجلس الأمن، ولولا المشاكل الداخلية، فلم
تعد له أية مشكلة خارجية، باستثناء الإشاعات السودانية، التي تقول أنه من مول
وساعد هجوم متمردي دارفور على أم درمان، ولكن المشاكل الداخلية لا يمكن
تبريرها بهذه السهولة، وخاصة عندما تكون عضوا في اتحاد يرأسه ساركوزي، ويشترك
في عضويته بارلسكوني، مثل خطف وتعذيب المحامي والناشط الحقوقي ضو المنصوري
عون، مؤسس مركز الديمقراطية، والمساهم في تأسيس جمعية العدالة لحقوق الإنسان،
بالرغم من أن الحكومة الليبية أقفلت المنظمتين. فهل فعلا أصاب القذافي بحجره
كل العصافير البريئة، وغير البريئة؟
عمر الكدي
* سبق لي نشر المقال في
صحيفة العرب القطرية
بتاريخ 9 يوليو 2008
التعليقــــــــــــــــات
|