06/07/2008
 

عندما يزف المقاوم واقفا... المسيري يترجل
 
بقلم: زهير الخويلدي

 
"كنت حالما واقعيا (لا وقائعيا) أرى الأمر الواقع وأرى الإمكانية، أرصد كليهما
وأصدر حكما في ضوء ماهو ظاهر وماهو باطن" رحلتي الفكرية
 
كتبت منذ مدة لأقدم التهاني عند حصوله على جائزة القدس ولم أكن أتصور أني سأكتب عنه مرة أخرى في فترة وجيزة لأزفه وأرثي حال الثقافة العربية والمعارضة المصرية على فقدانها واحد من خيرة رجالها وأحد أهم فرسان المقاومة والممانعة في العالم الإسلامي ألا وهو الدكتور الأستاذ عبد الوهاب المسيري الذي ولد في دمنهور بمصر سنة 1938 والذي توفي فجر الخميس 03 جوان 2008 بعد صراع صامت مع المرض اللعين ومحاصرة وتضييق من طرف المجتمع السياسي.
 
في الواقع لم يشغل الرجل حيزا من مساحة وعيي في فترة الشباب على الرغم من مطالعتي لكتبه عن اليهودية والصهيونية التي نشرتها عالم المعرفة وذلك لتأثري بكتابات ومشاريع أخرى موازية ولكنه منذ مشاركته في تأسيس حركة كفاية وظهوره المستمر في الفضائية العربية لفت انتباه الجميع وفرض نفسه كواحد من أهم مفكري العرب في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين وبرز بتحليلاته العلمية الدقيقة للواقع الاجتماعي والسياسي العربي والتي غالبا ما تنتهي برؤى إستراتيجية وبخطط استشرافية تفتح العقول أكثر مما تغلق الأيادي وتحفز الهمم أكثر مما تحبط العزائم.
 
يقسم الراحل حياته شعريا إلى ثلاثة مراحل هي البراءة والحيرة والخبرة في سيرة شعرية غنائية دعمها بدراسات في الشعر والأدب والفكر ومجموعة من القصص للأطفال ولكنه يقسمها أيضا فكريا في سيرة غير موضوعية وغير ذاتية إلى ثلاثة مراحل أيضا هي البذور ويقصد مرحلة التكوين وتحصيل العلم والتي تميزت بالبراءة ، ثم مرحلة الجذور أين بدأت تتصاعد حيرته وأطلق العنان للسؤال ومارس التفكير أثناء التدريس ورصد التحولات وشخص الأمراض، المرحلة الأخيرة هي مرحلة جني الثمار وحصد ما زرع في المراحل السابقة حيث برزت الخبرة وبان التخصص والحرفية وتوجه الرجل نحو البذل والعطاء ونزل إلى الشارع ومارس البراكسيس العربي في أفضل صوره فكانت المغامرة والانخراط والالتزام فكانت عاقبته حسنة وختم حياته خير ختام بأن أعلن الثورة على الشمولية والتوريث وناهض كل الأفكار المغشوشة والآراء الضالة.
 
إذا كان المسيري قد جمع بين البحث الأكاديمي العلمي المتخصص والعمل السياسي الاجتماعي الميداني فاني لن أتحدث عن الجامعات العالمية التي درس بها ولا عن المجلات والحوليات التي نشر بها مقالاته واشتغل فيها مستشارا علميا ولن أذكر مؤلفاته وكتبه واللغات التي ترجمت إليها ولا كذلك الأعمال التي ألفت حولها والندوات التي قدمت بشأنها ولن أمر على الشهادات التقديرية والأوسمة التي أحرزها بل سأصفه كماهو في الشارع وهو يخوض الصراع شابا غير آبه بتقدمه في السن وراكبا للمخاطر ومنتصرا على ظروف الاعتقال والمنع والحصار وسأركز فقط على بعض القضايا المركزية التي أثارها والتي حرك بها العقل العربي من سباته وجعلته قريبا من الشارع العربي وجزء لا يتجزأ من المجتمع المدني العالمي وهي قضايا الصهيونية والعلمانية والاستنارة والاجتهاد واللغة والمجاز والحداثة وما بعد الحداثة ومستقبل الإنسان.
 
لم يكفيه التبشير بالاعتدال والوسطية لمعالجة مشاكل راهنه فانضم إلى حركة كفاية وانتمى إلى اليسار بالمعنى الواسع متجاوزا عتبة الحاجة إلى الإصلاح ليقر بضرورة الثورة والتغيير دون أن يعادي عروبته وإسلامه ودون أن يتخلع من تدينه كضريبة مناصرته للحداثة ولم يشفع له حبه لفلسطين وقداسة قضيتها إلا فضحه للذهنية الصهيونية وتفكيكه لعقيدتها العنصرية.
 
ترك المسيري عالمنا المليء بالغبار وصعدت روحه نحو السماء بعد أن جربت واغتنت وبعد أن أصدع ببيانه الختامي عن نكبة فلسطين ودون أن يرى حلمه يتحقق وهو نهاية فكرة الصهيونية من الوجود، ونحن نزفه ونودعه إلى مثواه الأخير ومستقره ونمنع النظر بعمق في حكمته التالية:" يقف الإنسان وقدماه مغروستان في الأرض وعيناه شاخصتان للسماء، وهذا هو سر عظمة الإنسان ومأساته وهذا هو سر وجوده الإنساني المركب".
 
رحم الله الكاتب المتواضع الذي عودنا بتوقيع والله أعلم.
 
كاتب فلسفي
 

مقالات سابقة للكاتب:
 
  مناظرة بين حنفي والمرزوقي حول مواجهة الفكر الديني والفلسفي لتحديات الراهن
  هنيئا للمسيري بجائزة القدس
  الحوار الإسلامي في مكة
  الله من وجهة نظر بوش وتشافيز
  القرار العربي في مصيدة اللاعقلانية والسياسوية
  عام 1948: هو عام نكبة فلسطين وليس استقلال اسرائيل
  من اعتدى على صحافي فكأنما اعتدى على الناس جميعا
  علاقة الإسلام بالغرب من وجهة نظر صاموال هنتغنتون
  هشاشة عظام البراديغم الديمقراطي
  التطهير من المسكنة والتهذيب على المواطنة
  العرب عرفوا تذبذبا وعليهم الآن الاسترجاع ... هذا ما قاله هشام جعيط
  في جنون عيد الحب
  رحل جورج حبش
  متى ينصت الحكام الى الفلاسفة ؟
  هل يحل استقرار مصطلح العربي - الإسلامي مشكلة الأقليات ؟
  من أجل تنظم مجتمعي بلا ديماغوجيا وبلا بروباغاندا

  أهمية إرادة الحياة بالنسبة إلى العرب اليوم

  تعجيل النظر في التطبيع لتسهيل الظفر بالملك السريع
  الذات والصفات بين المعتزلة والأشاعرة

  هل صفيت قضية فلسطين بموت عرفات ؟

  حاجة الثقافة العربية إلى نمط الفيلسوف الديمقراطي

  نظرية الحد عند المناطقة العرب
  من خطف الإسلام من العرب ؟

  صدور كتاب حالة الفكر في حضارة اقرأ زمن العولمة

  جدل العرب والغرب... أسباب التنافي وشروط التصافي

  في سبل رأب الصدع

  في بيان كيفية افتراق الأمة (1)

  نحن في عصر يسير نحو التنوير!

  الإسـلام بين التاريخ والحقيقة أو الدين من وجهة نظر الهرمينوطيقا

  مفارقات العولمة

 

تعليقات القراء
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة