المشهور عن
"الزيدية" إنها فرقة من فرق المذهب الشيعي.. ويصفها الكثيرون
بأنها أقرب مذاهب الشيعة إلى السنة. ولكن معظم أتباع المذهب
الزيدي لا يقرون بهذا التصنيف، ويعتبرون أن نهجهم يشكل مذهبا
مستقلا من بين المذاهب الرئيسية الثمانية الموجودة الآن في
العالم الإسلامي، وهي: المذاهب السنية الأربعة (الشافعية،
والمالكية، والحنفية، والحنبلية) والمذهب الجعفري (الأمامي)
المنتشر في إيران والعراق، والمذهب الزيدي المعروف في اليمن،
والمذهب الاباضي المنتشر في عُمان، والمذهب الإسماعيلي في
بعض مناطق شبه القارة الهندية وشبه الجزيرة العربية.
تبلورت الزيدية
كفرقة في أوائل العصر العباسي في القرن الثاني الهجري. وتنسب
تسميتها إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن
علي بن أبي طالب (80هـ -122هـ/ 698م- 740م) الذي صاغ نظرية
في السياسة والحكم، جاهد من أجلها وقُتل في سبيلها في معركة
مع الأمويين. وتعتبره الزيدية رمزاً لها وتنتسب إليه.
ويقال أن الزيدية
نشأت أول ما نشأت عن موقف جماعة من الشيعة التقت حول فكرة
وجوب "الخروج" على الحاكم الظالم، المتمثل وقتها في سلطة
الخلافة الأموية، وقد شكل ذلك مبدأ لدى الزيدية يميزهم عن
غيرهم من فرق الشيعة ومذاهب أهل السنة. ولذلك اشتهر تاريخ
الزيدية وأئمتهم بمحاربة من رأوا انه غير عادل من الحكام،
والموت في سبيل ذلك.
وحسب الموسوعة
اليمنية فان اسم الزيدية لم يطلقه زيد بن علي على إتباعه،
كما لم يطلقه أتباعه على أنفسهم، إنما أطلقه عليهم حكام بني
أمية ولكنهم أقرو ابه واعتزوا.وتبنت الزيدية منهجا عقائديا
وفقهيا كان حصيلة جهود أعلام المذهب الزيدي، وتأثرت أصوليا
بالمعتزلة وبالمذهب الحنفي.
بين السنة والشيعة
يَعَتبر أهل السنة
الزيدية جزءاً من الشيعة بسبب تمسك الزيدية ـ أو "الزيود"
حسبما يسميهم البعض ـ بالعديد من الآراء التي يتمسك بها
الشيعة، كأحقية أهل البيت في الخلافة، وتفضيل الأحاديث
الواردة عنهم على غيرها وتقليدهم. (أنظر موقع الأسرة المسلمة
على الانترنت).
ويقر الكثيرون من
أهل المذاهب السنية أن الزيدية لا يكفرون الصحابة ولا
يسبونهم كما يفعل بعض الشيعة. ويشهدون إن مرجع الزيدية علي
زين العابدين كان يرى صحة إمامة صحابة النبي محمد: أبي بكر
وعمر وعثمان، بخلاف الشيعة الأمامية الذين يرون أن إمامة
المسلمين بعد وفاة الرسول محمد كان يجب أن تكون لعلي بن أبي
طالب دون غيره.
والزيدية، مثلهم
ومثل الشيعة الجعفرية، يؤمنون بمبدأ الإمامة كخلافة عن
النبوة. أي أن يكون للناس إماما يتولي أمور الرئاسة الدينية
والدنيوية. ويعتبرون أن الإمامة تُعد من أوجب الفرائض، وأصل
من أصول الدين. ولكن الإمامة عندهم ليست وراثية، بل تقوم على
البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة سواء من نسل الحسن أو
الحسين، وفيه شروط الإمامة كان أهلاً لها. وهم في هذا
يختلفون مع الشيعة الجعفرية الذين يرون أن الإمامة محصورة في
أثني عشر إماما محددين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم محمد
ابن الحسن العسكري الذي يؤمن الشيعة بأنه (المهدي المنتظر)
وانه اختفى ولكنه سيعود ليملأ الأرض قسطًا وعدلا.
الامام المفضول
وفي هذا الصدد
تقول الزيدية بالإمام المفضول مع وجود الأفضل، إذ لا
يُشترطون، كما يقول الجعفرية، أن يكون الإمام أفضل الناس
جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إماماً على جانب
من الفضل مع وجود من هو أفضل منه. ولذلك فهم يقرون خلافة
الصحابة الذين خلفوا الرسول قبل علي بن أبي طالب. ويرون أن
علياً كان هو الخليفة الأفضل للمسلمين بعد وفاة النبي إلا أن
الظروف التي أعقبت الوفاة لم تسمح بتنصيبه خليفة آنذاك.
وليس من عقائد
الزيدية مبدأ "ولاية الفقيه" الذي نظّر له بعض الشيعة
الجعفرية، وهي نيابة عن المهدي المنتظر حتى ظهوره مجددا.
وبخلاف الجعفرية
أيضا يجيز الزيدية وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في
بلدين مختلفين. وهم لا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ. كما لا
يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله معظم فرق الشيعة
الأخرى. لكن بعض المنتسبين للزيدية قرروا العصمة لأربعة فقط
من أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين.
وشروط الإمام
عندهم هي أن يكون: مكلفاً ـ ذكراً ـ حراً ـ علوياً ـ فاطمياً
سليم الحواس والأطراف ـ مجتهداً ـ عادلاً ـ سخياً بوضع
الحقوق في مواضعها ـ أكثر رأيه الإصابة ـ شجاعاً مجاهدا ـ لم
يتقدمه مجاب ـ يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ـ ويستشير أولي
الخبرة من المواطنين.
ويجمع الزيدية والشيعة الاتفاق على زكاة الخُمس، وهي زكاة
مضافة إلى الزكاة العادية المتفق عليها بين الفرق الإسلامية،
تؤدى لآل بيت النبي، وتذهب حاليا حسب الفقه الشيعي إلى
الفقهاء الذين يقومون بدورهم بتوزيعها وصرفها "في مصارفها
الشرعية".
ويخالف الزيدية
الشيعة الامامية في زواج المتعة ويستنكرونه. وهم إذ يتفقون
مع الشيعة في جواز التقية إذا لزم الأمر. فإنهم يتفقون مع
أهل السنة بشكل كامل في العبادات والفرائض سوى اختلافات
قليلة في الفروع من مثل قولهم "حي على خير العمل" في الأذان
على الطريقة الشيعية. واعتبار صلاة التراويح جماعة بدعة.
وتذكر العديد من
المصادر أن أبا حنيفة أخذ عن زيد بعض الأفكار في العقيدة
والشريعة، كما أن بعض الزيدية اخذوا عن تلاميذ أبي حنيفة،
ومن ثم فقد تلاقي المذهبان الحنفي والزيدي مما جعل التأثر
والتأثير متبادلاً بينهما.
ورغم اتفاق
الزيدية مع كل من أهل السنة والشيعة الجعفرية في العديد
العقائد والشرائع، إلا أن جزءاً من كلا الفريقين يعادي
الزيدية ويكفرها. فيقول بعض السنة المغالين أن الزيدية "أقرب
فرق الشيعة للمسلمين وليسو مسلمين لأنهم يسبون أم المؤمنين
عائشة" فيما أفتى بعض علماء الشيعة الامامية بكفر الزيدية
لعدم عدم إيمانهم بالأئمة الاثني عشر.
الزيدية والمعتزلة
تقوم الزيدية على
أسس تتفق مع أسس المعتزلة نظرا لنشئوهما في البيئة نفسها،
ويلتقي المذهب الزيدي الكلامي مع الفكر الاعتزالي في أغلب
قواعد الكلام. ويظهر تأثر الزيدية بالمعتزلة في تقديرهم
للعقل، وإعطائه أهمية كبرى في الاستدلال، إذ يجعلون له
نصيباً وافراً في فهم العقائد، وفي تطبيق أحكام الشريعة، وفي
الحكم بحسن الأشياء وقبحها. ولا يكفر الزيدية مرتكب الكبائر
بل يعتبرونه في منـزلة بين المنـزلتين، ويصفونه بأنه فاسق،
أي في درجة بين الكفر والإيمان، وغير مخلّد في النار. كما
يميل الزيدية في العقيدة إلى الاعتزال فيما يتعلق بذات الله،
ويقولون بوجوب الإِيمان بالقضاء والقدر مع اعتبار الإِنسان
حراً مختاراً في طاعة الله أو عصيانه. ويفصلون هنا بين
الإرادة وبين المحبة أو الرضا. ويقولون أن فعل الإنسان غير
مخلوق فيه، والمعاصي الصادرة من العباد ليست بقضاء الله.
ومثلهم ومثل
المعتزلة يستنكر الزيدية نظرية البداء (1)، ويرون أن علم
الله أزلي قديم غير متغير وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ
ويرفضون التصوف. وهم يفسرون التوحيد بأنه عدم شرك الغير
بالله تعالى وليس المراد به الوحدة العددية التي تتركب بها
الأعداد، ويقولون أن معرفة الله تتم على وجهين: إثبات ونفي.
والإثبات هو اليقين بالله والإقرار به، والنفي هو نفي
التشبيه عنه. وان الله ليس بجسم، ولا له حدود ولا أقطار، ولا
يجوز عليه النقل من مكان إلى مكان ولا من حال إلى حال، وانه
سميع بصير لا تدركه الأبصار، وهو واحد في ذاته لا قسيم له
ولا صلة، وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم غير ذاته ولا
قسيم له في أفعاله. (الموسوعة الكمبيوترية الإسلامية
الميسرة).
ومصادر الاستدلال
عند الزيدية هي: كتاب الله، ثم سنة رسوله ، ثم القياس، ومنه
الاستحسان، والمصالح المرسلة، والعقل. وباب الاجتهاد عندهم
مفتوح لكل من يريد الاجتهاد، ويقولون أن من عجز عن ذلك فعليه
أن يقلد السلف ولكنهم يؤكدون أن تقليد أهل البيت (النبوي)
أولى من تقليد غيرهم.
انقسامات الزيدية
تؤكد الكثير من
المراجع أن الزيدية تعرضت للانقسام والاختلاف بين معتنقيها
فخرجت منها عدة طرق اختلف المؤرخون في عددها فقال بعضهم إنها
ثمان فرق، فيما عدها آخرون أقل من ذلك. ويشتهر منها:
الجارودية، والصالحية، والبترية. لكن هذه الفرق بكاملها لم
يعد لها مكانة بارزة عند الزيدية المعاصرة.
مواقع الانتشار والحكم
أسس الزيدية دولة
الأخيضريين في اليمامة (في السعودية الحالية) في العصر
العباسي. وانتشر مذهبهم في سواحل بلاد الخزر (بحر قزوين) في
جمهورية داغستان الروسية الحالية، وفي بلاد الديلم وطبرستان
(في إيران الحالية وآسيا الوسطى) ، كما انتشرت في جنوب
العراق. وكانت توجد في مصر بعض القرى الزيدية.
وأقام الزيدية
دولة "الزيدية الناصرية" في طبرستان (250 ـ 360 هـ) و"الدولة
الزيدية/ الهادوية" في اليمن. وتَنسب عدد من المصادر دولة
الأدارسة في المغرب (172 ـ 323 هـ) إلى المذهب الزيدي.
الزيدية في اليمن
تولى يحيى بن
الحسين (245-298هـ ) الملقب بـ "الهادي إلى الحق" حفيد
العالم الزيدي المعروف القاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن
الحسين بن علي بن أبي طالب (170- 242هـ) ، الإمامة في اليمن
حيث أسس "الدولة الزيدية"، وأتخذ من مدينة صعدة في شمال
اليمن عاصمة لتلك الدولة. وتشكلت له طائفة زيدية عرفت
بالهادوية انتشرت في اليمن والحجاز والأقاليم المجاورة. وبلغ
عدد أأمته في اليمن منذ الهادي حتى محمد البدر (66) إماماً،
بدأ حكمهم من سنة 284هـ. ودام لمدة 1100 عاماً.
وخلال السيطرة
العثمانية على اليمن انحسرت سيطرة الأئمة الزيديين على كثير
من المناطق اليمنية. ولكن الإمام يحيى بن محمد المتوكل
استعادة سيطرة الزيديين على معظم مناطق اليمن بعد هزيمة
العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وقام بتأسيس دولة
زيدية أخرى عرفت بـ "المملكة المتوكلية اليمنية" وحكمت لمدة
44 سنة قبل أن تسقط بنجاح ثورة 26 سبتمبر 1962م التي أسست
النظام الجمهوري اليمن.
لكن ورغم انتهاء
حكم الأئمة في اليمن فأن هذا البلد ظل يمثل معقلاً للزيود
ومركزاً لثقلهم حتى الآن، ويشكل الزيود في اليمن الآن نحو
ثلث السكان. بينهم ما يقرب من نصف سكان اليمن الشمالي
السابق. وحتى الآن فان مفتي الجمهورية اليمنية، أي مرجعها
الديني الرسمي، ينتمي إلى المذهب الزيدي.
ويلاحظ أن معظم الرؤساء الذين حكموا اليمن الشمالي السابق في
العهد الجمهوري منذ 1962م ينتمون أيضاً إلى المذهب الزيدي،
ومنهم رئيس اليمن الموحد الحالي علي عبد الله صالح، ولكن
هؤلاء الحكام لم يكونوا متحمسين لنشر مذهبهم بسبب ارتباطه
بالنظام الإمامي الذي قامت الجمهورية على أنقاضه.
أما الزيود
اليمنيين من أل البيت الهاشميين، فلا زالوا يتمتعون بلقبهم
القديم "السادة" ويحظون في الكثير من المناطق بمنزلة رفيعة.
ورغم أن أتباع
المذهب الزيدي يتمركزون في مناطق محددة من اليمن، إلا أن
العلاقة بينهم وبين أتباع المذاهب السنية فيها الكثير من
التداخل ومن ذلك اشتراكهم في الصلاة في الكثير من مساجد
اليمن.
ومع إشاعة نهج
التعددية الحزبية في اليمن في 1990م ظهرت في الساحة السياسية
عدة أحزاب وتنظيمات سياسية زيدية أبرزها: حزب الحق، وإتحاد
القوى الشعبية، وحركة التوحيد والعمل الإسلامي.
ويشكل المذهب
الزيدي أحد المصادر المهمة للتشريع القانوني باليمن في جميع
مجالاته الجزائية والمدنية ومجال الأحوال الشخصية. كما يشكل
مصدرا مهما للعرف والتقاليد والطقوس الشعبية في المناسبات
المختلفة حتى بالنسبة لغير الزيود في اليمن.