30/10/2007
 

الإباضية .. مذهب من أقدم المذاهب الإسلامية (1 من 2)
 عثمان تراث (إذاعة هولندا-العربية)

 

علي بن يحيى معمر

 

يعتبر المذهب الاباضي من أول المذهب التي ظهرت بين صفوف المسلمين، فهو تبلور في القرن الأول الهجري بالبصرة. ويرجع في نشأته وتأسيسه إلى عصر التابعين. مؤسسه هو التابعي جابر بن زيد الأزدي العُماني (21- 96هـ) وكان إماماً ومحدّث وفقيه، من أخص تلاميذ ابن عباس، وروى الحديث عن عدد من الصحابة.
 
ومن أهم أأمة الإباضية بعد جابر بن زيد، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي تتلمذ على جابر وأصبح مرجع الإباضية بعده. أما اسم المذهب فهم ينسب إلى تابعي آخر هو عبد الله بن إباض التميمي أحد رجال الإباضية المشهورين. ولكن الإباضية يعتبرون أن هذه النسبة غير دقيقة، ويقولون أن بعض ولاة الدولة الأموية ساهم في خلقها بسبب حركة ابن إباض النشطة في نقد سلوك الحكم الأموي، ثم لمواقفه المتصلبة ضد الخوارج.
 
وكان الإباضية يسمون أنفسهم" أهل الدعوة"، ولم يُعرفوا بـ "الإباضية" إلا بعد موت جابر بزمان. ويقول المفكر الاباضي الليبي/ علي بن يحيى معمر (1919- 1980 م) أن الإباضية لم يعترفوا بتسميتهم هذه إلا بعد أن انتشرت على ألسنةِ الجميع، فتقبلوها.
 
ويعتمد الإباضية في السنة "صحيح" أحد علمائهم هو الرَّبيع بن حبيب الذي تم تأليفه في القرن الثاني الهجري ويعدونه أعلى درجة من صحيحي البخاري ومسلم. وبادل الأباضية الأمويين ودولتهم العداء وقام عبد الله بن إباض بأعمال عسكرية ضدهم. كما واجه الأباضيون حكم العباسيين في المغرب العربي. وانتشر المذهب الإباضي من البصرة إلى الجزيرة العربية وما جاورها، ووصل مصر. وذاع في شمال إفريقيا.
 
وقامت للإباضية في عُمان دولة قوية مستقلة عن دار الخلافة منذ العهد الأموي. وينتمي معظم العمانيين الآن إلى المذهب الاباضي، بما فيهم سلطان عُمان الحالي قابوس بن سعيد، ومفتي الدولة. وفي اليمن أعلن القائد الإباضي عبد الله بن يحيى الكندي ثورته في حضرموت واستطاع سلخها من الأمويين مع أجزاء أخرى من اليمن والحجاز لمدة عامين (129- 130هـ).
 
ثم انتقلت الإباضية عبر مصر إلى المغرب العربي حيث واجهوا العباسيين وكونوا دولة إباضية كبرى شملت ليبيا وتونس وشرق الجزائر استمرت لمدة أربع سنوات قبل أن ينتصر عليها العباسيون. ثم نجح الإباضية في إقامة دولة أخرى هناك علي يد الإمام عبد الرحمن بن رستم بن كسرى، هي "الدولة الرستمية" التي استمرت نحو 120 سنة من 160- 296 هجرية. وشمل نفوذها أغلب مناطق الجزائر والجنوب التونسي والجناح الغربي من ليبيا. لكن الإباضية في تلك الدول يشكلون الآن أقلية. وكان أغلب سكان زنجبار من الإباضية، وكانت لهم هناك دولة ملكية. وفي الأندلس كان لهم وجود كبير حتى أن جزيرة اليابسة في تلك البلاد كانت كلها إباضية إلي القرن السادس الهجري.
 

 
جامع السطان قابوس بن سعيد
 
الإباضية والخوارج
 
تَعتبر معظم الفرق الإسلامية الأخرى والكثير من كتب التاريخ الإسلامي أن الإباضية فرقة من "الخوارج". ويعود ذلك إلى أن الإباضية يُعتبرون امتدادا لـ "أهل النهروان" وهم مجموعة ممن كانوا يؤيدون خلافة على ابن أبي طالب في نزاعه مع معاوية بن أبي سفيان ثم اعتزلوا عليا بعد قبوله التحكيم وعزله من قبل مندوبه أبو موسى الأشعري، وبايعوا عبد الله بن وهب الراسني أميرا للمسلمين وخليفة لهم بعد علي بن أبي طالب. وهنا اتفق الإباضية مع "الخوارج" في القول أن ولاية عليِّ كانت حقاً شرعياً لا يجوز فيه التردد، وأنه ليس من حق حتى عليِِِّ نفسه، أن يشك في إمامة أجمعت عليها الأمة، ولا أن يتساهل فيها، أو يقبل عليها المساومة. ويوالي الإباضية "أهل النهروان" الذين لم يرتضوا التحكيم، ورأوا أن معاوية باغٍ لا حق له، وأن بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم. وان الأمر بعد إعلان أبو موسى الأشعري أنه عزل علياً من أمر المسلمين، أصبح للشورى والاختيار فبايعوا الراسبي. مما دفع علي بن أبي طالب لمقاتلتهم فيمعركة النهروان.
 
ويشدد الإباضية على أن الإمامة لا تختص بقريش بل تصح لكل من اختاره المسلمون لقيادة دولتهم.. وكان الإمام جابر بن زيد يرى أن الخلافة أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون. وإنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة الدينية والأخلاقية والعملية والعقلية المطلقة.
 
وبسبب التقاء رأي الإباضية مع "الخوارج" في مسألة الخلافة ورفض التحكيم، اعتبر الكثير من المؤرخين إن الإباضية من الخوارج. ولكن الإباضية يرفضون إطلاق صفة الخوارج عليهم، ويشدد علماؤهم على أن اتفاقهم مع الخوارج في مسألة الخلافة لا يعني أنهم يتفقون معهم في جميع الآراء، ولا يجعل الإباضية خوارج. ويفهمون كلمة "الخوارج" بأنها تعني الذين خرجوا عن الإسلام. وأن خصومهم من الأمويين والشيعة، هم الذين أطلقوا هذه الصفة على أصحاب النهروان وعلى من سار في نهجهم، وأضفوا عليها طابعا دينيا تكفيرياً. مؤكدين أن الإباضية أبعد الفرق الإسلامية جميعا عن الخروج.
 
ويقول العالم الاباضي أبو إسحاق إبراهيم اطفيش إن الخوارج سُموا بهذه الاسم "لأنهم خرجوا عن الحق وعن الحكم على مرتكب الذنب بالشرك فاستحلوا ما حرام الله من الماء والأموال بالمعصية (...) فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا وطاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم".
 
من عقيدة الإباضية
 
الأصل العام في عقيدة الإباضية هو التنزيه المطلق لله سبحانه وتعالي عن مشابهة الخلق، ويقولون إن كل ما ورد في القرآن الكريم أو السنة النبوية مما يوهم التشبيه يجب تأوليه بما يقتضيه المعنى من السياق ولا يؤدي إلى التشبيه. وعلى عكس الكثير من المذاهب الإسلامية يرفض الإباضية فكرة أن الله يمكن أن يُرى سواء في الدنيا أو الآخرة. وانطلاقا من فكرهم حول التنزيه يقولون أن القرآن مخلوق من مخلوقات الله، وليس قديم مثله تعالى. لان القدم صفة لله وحده.
 
وفي ميلهم الواضح للتجريد يقولون أن "الميزان" ،الذي توزن به أعمال الناس من حسنات وسيئات في يوم القيامة ليس ميزانا حسيا، إنما هو الفصل الحق بين أعمال الخلق. وكذلك الصراط المستقيم، فهو ليس طريقا حسيا فوق جهنم، كما يقول البعض، إنما هو طريق الإسلام ودين الله. وبسبب ذلك ظن البعض إن الإباضية ينكرون الصراط المستقيم وبعضاً آخر مما هو ثابت في الدين الإسلامي.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية)

 

libyaalmostakbal@yahoo.com