14/10/2007
 

"تشي" جيفارا.. الثائر الأبدي
 فيم يانسن -  ترجمة: محمد عبد الحميد عبد الرحمن (إذاعة هولندا-العربية)

 

لم نجد كثير عناء، ونحن في غرف مساكننا الطلابية في نهاية الستينيات، في اختيار بطلنا الأيدلوجي. كان كارل ماركس قد انطفأ بريقه بسقوط نموذج سلطة العمال على نطاق العالم، وتلوثت يدا ماو تسي تونغ بدماء الملايين من ضحايا ثورته الثقافية. كان ارنستو "تشي" جيفارا هو الخيار الواضح والأسلم وهو يقدم حياته ثمنا للمبادئ التي آمن بها.
 
لم نكن نعرف لماذا كان علينا أن نضع "تشي" دائماً بين علامتي تنصيص، لكن عدم فعل ذلك كان دليلاً على الغباء الشديد. كان "تشي" البطل المطلق في أوساط الطلاب. قاتل "تشي" مع رفاقه الكوبيين ونجح في إسقاط النظام الحاكم في تلك الجريرة التي كانت تغرق في الفساد.
 
كان بوسعه البقاء إلى جانب رفيق كفاحه فيدل كاسترو والاستمتاع بالسلطة بعد الانتصار الأسطوري للثورة الكوبية، لكنه آثر العودة للأدغال من جديد لتصدير الثورة وتوسيع آفاقها ولتحرير الفقراء من نير الفقر والحرمان. وسرعان ما لقي مصرعه هنالك في غابات بوليفيا بعد أن خانه وتخلى عنه من كان يقاتل على أمل تحريرهم، وعززت هذه النهاية المأساوية صورته البطولية.
 
قتل "تشي" في أحراش بوليفيا في أمريكا اللاتينية في التاسع من أكتوبر 1967 قبل ليلة واحدة من الاحتجاجات الطلابية العارمة التي اجتاحت العواصم الغربية من باريس إلي أمستردام إلي كوبنهاجن وحتى السواحل الشرقية للولايات المتحدة الأمريكية. وبينما كان المتطرفون في الحركة الطلابية يقذفون الحجارة على السلطات في العاصمة الفرنسية ويحتلون مبني إدارة جامعة أمستردام اكتفى معظم الحالمين في حركة الطلاب الاحتجاجية العالمية بتعليق بوسترات صور "تشي" جيفارا فوق أسرتهم في غرف المساكن الطلابية وكانت صورة البطل الرومانسي ترتبط في أذهانهم بالثورة الطلابية.
 
أما على المستوى الأيديولوجي فلم يكن لعبادة البطل "تشي" اثر عميق. كان كتاب "يوميات بوليفية" هو أهم أثر مكتوب خلفه جيفارا، وهو رصد بطولى متواضع غارق في تفاصيل القتال في أحراش بوليفيا يجمع ملاحظات متفرقة لرجاله والشكوى من عدم تفهم السكان المحليين لما يحاول أن يفعله. وكان ذلك أمراً صعب الهضم على كثيرين: عدم تفهم وإدراك اللاتينيين الفقراء لمقاصد "تشي".
 
بوعي تام اختار المقاتل والقائد الثوري جيفارا بوليفيا التي كانت تعتبر أفقر دولة في قلب أمريكا اللاتينية باعتبار أنها أكثر بيئة ملائمة وحاضنة للثورة. لكنه أغفل تماما الهوة الثقافية الكبيرة بين الفلاحين المعدمين المتوجسين الذين لم يدخلوا بعد عصر الاقتصاد النقدي، وبينه هو الطبيب المثقف الذي قدم تواً من الأرجنتين "ألمانيا أمريكا اللاتينية".
 
قليل من البوليفيين تفهم ما يمكن أن يجلبه لهم من خير هذا الأرجنتيني المتعالي، فيما لم ير سكان البلاد الأصليون من هنود الأمازون أبدا أي فائدة يمكن أن يحققها لهم رجل ابيض، فقد نهب المستعمرون الأسبان أراضيهم لخمسة قرون بحثا عن الذهب والفضة، ناهيك عن "نصف البيض" الذين يحكمون بلادهم من العاصمة لاباز منذ "التحرير" بقبضة من حديد.
 
لذلك لم يكن من الغريب أن يشي مخبر محلي بـ"تشي" جيفارا ورفاقه ويسلمهم للجيش في ذلك اليوم الأسود الثامن من أكتوبر 1967. بعد يوم واحد من اعتقاله اعدم البطل "تشي" جيفارا ولم يثر قتله إلا قليلا من الاهتمام وسط السكان المحليين.
 
في السنوات الأخيرة عادت صورة القائد الثوري جيفارا (السلويت) التي تظهره ملتحيا وعلى رأسه قبعة عسكرية إلي غرف الطلاب الهولنديين، فيما تباع قمصان تحمل نفس الصورة في أسواق هانوى وكويتو وكل أسواق الملابس الواقعة بينهما، ولذلك لم يكن من الغريب أن يظهر ابني البالغ من العمر 18 عاما بقميص مماثل على مائدة إفطار الأسرة قبل سنتين.
 
مما أثار القلق أنه دعاني بعدها بقليل إلي السينما لمشاهدة فليم "يوميات الدراجة النارية" الذي يستوحي رحلة قام بها "تشي" جيفارا على دراجة نارية عام 1952 وكان لها أثر حاسم في تأجيج مشاعر العدالة والثورية التي اعتنقها الطبيب الأرجنتيني الشاب بعد ذلك. على أن اعترف أن الفيلم كان ممتعا وجذابا، لكن ما الذي يجده فيه مراهق في القرن الحادي والعشرين.
 
لا يزال من المبكر الاستنتاج بأن الميول الثورية للجيل الجديد قد مرّت بسلام ودن متاعب، لكن نفس الشاب - ابني - عاد مؤخرا من كليته بملابس مستفزة من جديد بقميص يحمل صورة ظل (سلويت) لكن ليس لارنستو "تشي" جيفارا. البطل الجديد اقرب إلينا مما كنا نظن، يحمل القميص صورة يان بيتر بالكينينده التي لا تخطئها العين، رئيس الوزراء وزعيم الحزب المسيحي الديموقراطي. إذن لا بد من إغاظة الوالدين قليلا والخروج على المألوف والمستقر وسيطرة المؤسسات وفي ذلك لا فرق بين استخدام صورة بالكينينده أو"تشي" جيفارا.
 
عن موقع إذاعة هولندا (العربية) - 10-10-2007

 

libyaalmostakbal@yahoo.com